العدد الأول 2007 - قصة
"الصورة"
بقلم وفاء الوزه - قاصة من سوريا
استيقظتُ باكراً كالعادة لأبدأ رحلتي من جديد، من أزقة القابون العشوائية حيث أقطن في مدينة دمشق منذ ولدت مع أسرتي الفقيرة إلى مكان عملي الحالي في قرية موثبين التابعة لمحافظة درعا.. كان بُعد المسافة في أيامي الأولى يشعرني بضجر مقيت، لكن يوماً بعد يوم جعلني اعتيادي أشعر بنقص المسافة، بل أصبحت حكيمة إذ وجدتني مرة، وأنا ساهمة، أنظر إلى لا شيء من زجاج نافذة السرفيس، أقول لنفسي: "كلما كبر الإنسان مع اعتياداته شعر أن الوقت يمر بسرعة!" ولكن ما أن أصل إلى مفرق القرية، وأنزل من السيارة، حتى تستقبلني السماء الرحبة، السعيدة دائماً، ربما لأنّ عدّة بيوت قليلة لا يمكن أن تبعث الغيرة في روحها التي اعتادت على حنان الأرض وهي تواجهها بحضنها الفسيح الأسمر، وربما من أجل ذلك ها هوالربيع يهديها ثوباً أخضر مزركشاً بصفرة الأقحوان المكحلة أبداً بحجارة سود.. داخل هذه الصورة، وعلى لحن هذا الهدوء الصباحي أمشي كل يوم إلى المدرسة وأنا أرشف فنجان هواء موثبين النظيف، قبل أن أستسلم لضجة التلاميذ وغبار الطباشير، لكن هذا اليوم وقبل أمتار قليلة من باب المدرسة قطعت عليّ هذا اللحن خطوات سريعة لطالبة بادرتني بالقول: "صباح الخير يا آنسة.." التفت إليها وإذ هي ازدهار الطالبة التي كانت ولم تزل تحيّرني نظراتها المزهوة وابتسامتها الواثقة على الرغم من عدم فهمها لمادة اللغة الفرنسية التي أدرّسها إيّاها.. صاحبتني في مسيري وهي تمدّ يدها لتناولني صوراً وتطلب مني مشاهدتها، وأشارت إلى صورة محددة لتعلق عليها: "هذه عائلتي في روسيا، وهذه أنا عندما كنت صغيرة" فسألتها: "أنت من هذه القرية؟" رفعت رأسها نافية وهي تقول: "لا،أنا من روسيا.. أبي وأمي من هنا".. حاولت مجاراتها في طريقة تعبيرها عن نفسها، فقلت لها: "إذاً، أنت تحملين الجنسية الروسية"، ابتسمت ابتسامتها المزهوة، وقالت: "نعم"، وعندما نظرت إلى الصور من جديد سألتها: " هذا حسين؟" قالت لي بصرامة طارئة عليها: "نعم، إنه أخي، لكن هوولد هنا" فقلت لها: "إنه طالب مجد، تعلمي منه اللغة الفرنسية"، وإذ بصوت يعلو: "ارجعي.. ارجعي.." كان صوت امرأة تنادي مجموعة من الماعز، والشيء الذي أثار ضحكنا عنزة سوداء كانت تشبه النعامة بسرعتها وهي تركض هرباً من راعيتها..
دخلنا المدرسة..وفي الصف، وبينما أعطي الدرس، كانت تخطفني للحظات عينا تلك الفتاة التي صاحبتني في الطريق وهي تشعر بالزهولامتلاكها تلك الصورة التي أُخذت لها مع عائلتها عندما كانت طفلة تعيش في روسيا، وربما هذه الصورة هي ما تجعلها تشعر بعالمها الخاص وتميزها عن زميلاتها، وربما تجعلها تحلم بمستقبل قد يتحقق لوأنها ما زالت هناك، وربما هذا ما يجعلها تشعر بالغربة أحياناً هنا، ربما... بل، وبينما كان التلاميذ ينقلون عن اللوح، نظرت إلى عينيّ ازدهار لأرى نفسي عندما كنت في سنها، أفتخر بصورة أرسلها إليّ أخي البعيد، وقد كتب خلفها: "إلى ملكة جمال الأسرة" وظلت لسنوات تشعرني بالفرح والزهوكلما نظرت إليها وإلى ما كتب خلفها وها هوهذا الشعور يعود إليّ الآن وكدت أصارح ازدهار به لولا أن جرس الفرصة أيقظني لكي أتجه إلى هذه الطالبة اللامبالية لألومها مجدداً على إهمالها في نقل ما هومكتوب على اللوح!.