مجلة أوغاريت - قصة

 

العدد الأول 2007 - قصة

"رومانس"

آنا العكاري - قاصة سورية

هو وهي والبحر

نديم الوزهرأى شعرها الناعم يتطاير مع النسيم الذي يداعبه بحنان، فأحس بارتعاشة تعتري قلبه.. تابع النظر إليها وهي تمشي على الرمال بهدوء، تنظر إلى الأرض مفكرة، ساهمة، و أحياناً ترفع رأسها لتنظر إلى البحر أولتقف مواجهة له.. ماذا تقول؟.. بماذا تناجيه؟.. آه لويدري..!

و من أعماق ذاتها الساهمة، من فكرها الحالم، من قلبها الذي يصدقها دائماً، حانت منها التفاتة إليه، لتراه يتأمل جمالها الشارد، فتعطلت لغة الكلام، وتحدثت لغة العيون الغامضة، الساحرة، لكنها لم تدر لمَ أشاحت وجهها عنه؟ وتابعت مسيرها على الرمال مبتعدة دون أن تعيره التفاتة أخرى..

لكن ما حدث اليوم سوف يتكرر كل يوم، هويراقبها من بعيد وهي تتنزه على رمال الشاطئ الدافئة، وهي كلما انتهت من تأملها تلتفت إليه، لتهديه نظرة باعتباره جزءاً من الطبيعة التي تتأملها.لكن البحر سئم من لغة العيون، هاج وماج وسحبها إليه..

وبقي هويراقبها وهي تستسلم للمياه العالية حتى غرقت فيها، ومن يومها هجر البحر، ولم يعد يأتي إليه!.

النظر إلى أعلى

كنت أسمعك كل ليلة، فأحس بسعادة غريبة، أحس بنفسي ترفرف بأجنحة بيضاء إلى عالم سماوي رائع، أحس بقلبي يخفق بحب ونشوة..تغنّي لي، تحدّثني، تواسيني إن حزنت، تشاركني فرحتي إن فرحت، كانت كلماتك بلسماً لجراحي، وصدراً أغرق رأسي المتعب فيه..

هذه الليلة؟! كان صوتك ينبعث حزيناً، تسيل منه دماء القلب..اقتربت منك، داعبت وجنتيك، وقلت لك بلهفة: "لا تحزن"!!..أين تلك الفرحة التي تزغرد بين كلماتك..؟أين الرقة والعذوبة التي تغلف قلبي بها..؟ لكنك لم تصغ إليّ، نظرت إلى الأعلى وقلت: "يجب أن أذهب.. أن أرحل.."

أذهلتني كلماتك، أخافتني، ماذا تقصد..؟ لماذا تريد أن ترحل..؟! وبينما أنا في غمرة أفكاري، رأيتك تترنح, وتشد على يدي بحنان وقوّة.. لم أفهم ما يحدث، حتى رأيتك تسقط على الأرض، ضممتك إلى صدري، أردت أن أدفنك فيه، وأسقيك من دموعي الحزينة، لكنك رحلت إلى البعيد، إلى مكان لا يمكن أن أطالك فيه..

اللقاء المنتظر

استلقت بهدوء على العشب، أحست بأنّ الشجرة تحنومبتسمة وهي تلقي بظلها الحنون عليها. بل سرعان ما جاء النوم لكي يداعب عينيها الدافئتين، فأغمضتهما، ورحلت بعيداً...رأته أمامها أشقر، ينظر إليها بعينيه العسليّتين، فشعرت أن قلبها يذوب ويكاد يسيل منها، لولا أنها استفاقت لتجد يدها ممسكة به، ووجنتيها مبللتين بالدموع!..

حين عادت إلى البيت أحست بالحلم يملأ كيانها، وأن ذلك الشاب قدرها، ولا بد أنها ستراه في أحد الأيام .. حتى صارت كل ظهيرة، بعد أن تنتهي من عملها، تأتي إلى ظل الشجرة علها تراه ماثلاً أمامها ينظر إليها بتلك العينين العذبتين اللتين أثارتا وجدها وشوقها.. ومع مرور الأيام ازداد خصرها ضموراً، وذبل جسدها، ولم تعد تلك الفتاة النشطة، المرحة، التي عرفتها القرية.. لولا أن عينيها ظلتا تبعثان الدفء في النفوس، مع شرود، وحبات مطر تتناثر على خديها بين حين وآخر لتسقي الورد الذابل، لتبعث الحياة فيه لبرهة سرعان ما تزول، ويذبل الورد مجدداً..

لقد تملكها هذا الانتظار العذب، المحرق، ولم تعد تفعل شيئاً سوى الانتظار، تبقى الساعات الطويلة بانتظاره، لا تنهض، لا تتحرك، تتسمر عيناها أمامها كأنها تخشى أن يفلت من عينيها إن جاء، فلا تراه كي تشعره بوجودها..وتحاول الشجرة إنهاضها، تمنع ظلها عنها، تجعل أشعة الشمس تلسع وجهها الشاحب، لكن النار في قلب الصبية كانت أقوى، فلا هي تحس بالشمس ولا هي تحس بالبرد، بل استمرت في انتظاره شهوراً و شهوراً بالكاد تذوق طعاماً، إحساسها بحبه، وبأنه قادم كان طعامها.. وكما يحدث في الأفلام، والمسلسلات الرومانسية المتفائلة، حدث أنها حين اقتربت من حافة الهاوية، وكادت أن تسقط، ها هي تراه يقترب منها، ينظر إليها بعينيه الحانيتين، أشقر، عسلي العينين.. يرقص قلبها فرحاً، تومض عيناها ببريق الوجد والشوق والارتياح، تتنفس الصعداء، لتستطيع أن تقول: "ياه، لقد تأخرت كثيراً.."

يقترب منها، يسند جسدها المنهك، المتهالك، يسمع صوتها الضعيف يهمس متسائلاً: "ما اسمك؟" فيجيبها: "يحيى"!.