مجلة أوغاريت - قصة

 

العدد الأول 2007 - قصة

"مجرم"

بقلم د.عفيف حمدان - قاص من سوريا

عفيف حمدان "صدقوني.. أنا لم أقتلها.. هي قتلَتْ نفسها بيديها.. صدقوني أنا لم أقترف هذه الجريمة.. لقد عدتُ للبيت ووجدتها كما ترونها معلقة! لقد شنقت نفسها انتحاراً، ولا أعرفُ لماذا.." لكن المحقق أمرَ بالحجز عليّ لعدة أيام ريثما ينتهي التحقيق والوصول إلى خيوط هذه الجريمة.. وعندما يتبينوا "الخيط الأبيض من الأسود" سيطلقون سراحي إن ثبتت برءاني لكني حتى هذه اللحظة أنا مشبوه.. ولأن سجلات الشرطة حافلة بالجرائم الزوجية.. لا يمكنهم أن يتصوروا أن زوجتي انتحرت بهذه البساطة والبراءة.. وبعد أيام من التحقيقات والأسئلة واستدعاء الشرطة لجميع معارف زوجتي وأقربائها للشهادة ووالديها الغاضبين من ابنتهما لأنها اختارتني رغماً عنهما.. أطلقوا سراحي بعد أن تأكدوا من براءتي وقد ساعدني والديها _دون علمهما- عندما اتهماني بقتلها وصبّا جام غضبهما عليّ وأخبرا الشرطة بأني أخذتها رغماً عنهما وشجعتُ ابنتهما على هجرهما نهائياً باختيارها لي بسبب قصة الحب الجارفة التي جمعتنا.. وكانت صديقتي حقاً تحبني وكانت إجراءات الزواج في المحكمة تكاد تكتمل.. لقد ناضلَتْ صديقتي وحيدةً من أجل العيش معي وتخلت عن الجميع من أجلي.. وماتت وحيدة.. لقد دمرتها لأنها كانت تُحبني. هذه الحقيقة التي لا يُمكن للشرطة إدراكها! نعم؛ أعترفُ الآن أمامكم أيها القراء، بعيداً عن عيون وآذان الشرطة والمحققين.. أعترفُ بأني قتلتها عندما تركتُ نار الغيرة تلتهمها ولم أفعل شيئاً لأُطفئَ هذا الحريق.. نعم قتلتها! سامحوني.. لم أقصد ذلك. أنا لستُ مجرماً.. لقد عدتُ متأخراً في ذلك اليوم إلى المنزل وكانت تنتظرني مثل باقي الأيام الأخيرة من عمرها.. لكن هذه المرة ليس كباقي المرات! كانت سورة الغضب قد سيطرت عليها فاستقبلتني منذ ولوجي البيت وقبل أن أخلع حذائي بعدوانيةٍ واضحة وغليان حقدٍ دفين يهيج في صدرها وبدأَتْ عتاباً حاداً ممزوجاً بإهانات سوقية.. كان الشرر يتطايرُ من عينيها الحمراوين وهي تطلقُ الكلمات النابية المضطربة دون أن تُدرك معانيها بنبرة هادرة متوحشة.. تمالكتُ نفسي وحاولتُ أن أُهدئ من روعها بسوقِ حججٍ وتبريرات لتأخري؛ تَراها دائماً واهية.! وكانت تقول دائماً جملتها الشهيرة: "أما زلتَ تظنني طفلة أرضعُ إصبعي في فمي..!"وعندما يئستُ من محاولة تهدئتها لجأتُ للخطة الثانية لصرفها عن تصعيد المشكلة وهي بالصمت المطبق واللامبالاة.. لكنها تأزمَت أكثر وتفاقمت نزعتها "الشريرة" فاندفعَتْ نحو المطبخ وخرجَتْ متوحشة أكثر وهجمت عليّ وبيدها سكين كبيرة وزادَ صراخها بوجهي وهي تلوح بالسكين مُهددةً بقتلي ثم انتحارها بعدي.. "لأنه لم يعد للحياة معنى.. كما أننا لسنا بحاجة لهذه الحياة الشقية معاً.. والحل الوحيد هو الموت لنا سويةً..!" صدقوني؛ لم أفكر يوماً بالقتل.. أو حتى الموت..! فتملكني الخوف والهلع.. كانت جادة فعلاً.. ولم أجد وسيلة لتخفيف نوبة الجنون هذه سوى الترجي والخضوع وإعلان توبتي ووعدتها بأني لن أُكررَ فعلة السوء هذه ولن أتأخر عن العودة باكراً كل يوم.. ورحتُ أستعرضُ ذكريات الحب التي جمعتنا وأسترسلُ في وصف الأيام الجميلة التي قضيناها معاً.. وأُعيد وأُكررُ وعْدي لها بأن هذه المشكلة ستكون الأخيرة في حياتنا.. وقالت لي بأني كاذب وأني أعِدُها الآن بسبب الخوف.. لم أيأس لأنها اكتشفت حقيقة الأمر ولاحظَتْ الرعب الذي بدا عليّ عند رؤيتي لمعة السكين! لكني ظللتُ متماسكاً وأيقنتُ بأنه لا خلاص لي ولها إلا باللجوء إلى الحيلة.. فاستجمعتُ قواي العقلية واستحضرتُ كل مقدراتي ومواهبي باختلاق الحجج لأقنعها بأني صادق هذه المرة وجادّ بوعدي وسوف أُبرهن لها بالفعل وليس بالقول ورجوتها أن تمنحني الفرصة الأخيرة لإثبات ذلك.. وعدتُ ثانية لاستحضار ذكريات الماضي وبأننا معاً تحدينا المجتمع لنعيش في سعادةِ حبنا وكنا دائماً قلباً واحداً ويداً واحدة أمام مصاعب الحياة وحاولتُ البحث في أدراج الذاكرة للعثور على مواقف اتخذَتْها للوقوف إلى جانبي كان لها الفضل الكبير فيها بمساعدتي في الأزمات التي مرت معنا.. وتوسلتُ جاثياً أن تغفرَ لي للمرة الأخيرة ولنفتح صفحة جديدة ونستعيد بريق حبنا الذي كان.. بعد أن أمطرتها بكلمات الرجاء والاستعطاف واستجداء الرأفة والرحمة وغمرتها بعبارات التذلل.. رَقَّ لي قلبها أخيراً؛ فاستغليتُ الفرصة وسطَ ذهولها وسحبتُ من يدها السكين بعد أن تركتها طواعية وهي تنفجرُ بالبكاء الحاد ندماً.. وقد بلل دمعها المنهمر ثيابها وأطراف شعرها المنفوش الذي غطى جزءاً كبيراً من وجهها والتصق بعضه بخديها.. فضممتها إلى صدري وهي تجهش بالبكاء وجسدها يرتعش في حضني وينتفض بشهقاتٍ وحشرجات حادة.. وغمرتها بين ذراعيّ رافعاً السكين بعيداً عنها لكي لا تُلامسُ ظهرها.. وبعد أن تأكدتُ بأني سيطرتُ على الوضع، أعدتُ السكين إلى المطبخ وأخفيتها فوق "البراد"! وعدتُ إلى صديقتي المنهارة على إحدى "كنبايات" الصالون وقد وضعت رأسها بين كفيها ومازلت تبكي لكن بحرقة مكبوتة وشهقات متفرقة.. سامحوني؛ لم يرقّ لها قلبي.. ولم ينتابني أي شعور بالشفقة.. لقد أصابتني بعدوى نزعتها العدوانية..! فقلتُ لها بصوت عالي وساخر: " تبكين.. على ماذا تبكين.. ولماذا..!؟" وأضفتُ بثقة وأنا أتجهُ نحو الباب الخارجي للمنزل: " تعتقدين بأني كنتُ مع امرأةٍ أخرى.. وتتهميني دائماً.." وعندما وصلتُ للباب وفتحته قلتُ لها متحدياً ومتشفياً لأُغيظها: " نعم.. نعم كنتُ مع امرأة أُخرى .. امرأة تحبني ولا تريد قتلي أو تدميري.. امرأة حقيقية وليست وحشاً مثلكِ.. نعم كنتُ مع امرأة أخرى وها أنا سأترك لك الشقة لأذهب إليها.. وداعاً.." خرجتُ صافعاً الباب بعنف ليتلقى خشبه القوي صدمة مزهرية الزجاج التي كانت على طاولة الصالون وأسمعُ ارتطامَ شظاياها على الأرض وأنا أنزل الدرج.. لتفتح الباب صديقتي فجأة وترسل شتى أنواع الشتائم بصوت عالي أخرجَ بعض الجيران من جحورهم! وتطلق العنان لحنجرتها لإنشاد ما تسنى لها من السباب ظلَّ يرافقني حتى باب العمارة.. وبما أنه ليس لدي مكان آخر أذهبُ إليه في هذا الجو الماطر والبارد.. ولا توجد امرأة أخرى في الحقيقة.. كان لابد لي من العودة بعد نصف ساعة تقريباً.. وما أن دخلتُ من الباب الخارجي متوجساً وحذراً حتى ناديتها تاركاً الباب ورائي مفتوحاً ليتسنى لي الهروب إن احتاج الأمر.. لكنها لم تُجبْ..! وعندما لم أعثر عليها في الصالون قبالة التلفزيون الذي يشتغل وحيداً بصوت خافت، ولم تكن في المطبخ أيضاً.. ظننتُ أنها ذهبت لإحدى جاراتها.. فاعتقدتُ بأنها ستغضب عند إحدى صديقاتها لتعود بعد يومين.. لكني وجدتُ جميع أغراضها كما هي في غرفة النوم.. فاتصلتُ بصديقتها المفضلة لتخبرني بأنها غير موجودة.. أطفأتُ جهاز التلفزيون واتجهتُ للحمام بعد أن خلعتُ ثيابي وأغلقتُ باب الشقة بالمزلاج مخافة أن تعود صديقتي في غفلة مني وأنا آخذُ حمامي المسائي.. وكم كانت صدمتي كبيرة عندما دخلتُ إلى الحمام ووجدتها معلقة بحبلٍ عقدته في السقف وملتفاً حول عنقها وكرسيّ الحمام الصغير ملقى جانباً على وجهه، بعد أن دفعته من تحت قدميها وجسمها مدلى يتأرجح في الهواء..!! وعلى الأرض ورقة كتبت حروفها بأحرف مرتعشة: " سامحني يا حبيبي لا أُريد أن أكون عقبة في طريق سعادتك.. سامحني يا حبيبي أحبك أكثر من حياتي.. اخرجْ وتمتعْ.. لقد تركت لك هذه الحياة لتنعم بها.. أما أنا فلم أعد بحاجةٍ إليها بعدك.. أرجوك لا تظن أني أُعاقبك بموتي.. إنه اختياري.. أنت لا تستحق العقاب.. وفوق العتاب.. أرجوك لا تتعذب بعدي ولا تأسف لمماتي.. تذكرني يوم الأحد فقط وأيام الأعياد بوردة وحيدة تضعها على قبري.. وتذكر دائماً بأني أحببتكَ أكثر من حياتي.. سامحني؛ لأني أحببتكَ لهذا الحد.. أنت لا تستحق هذا الأسى.. لكنه صدقني، كان رغماً عني.. أحبك.. أحبك.. أحبك.. وداعاً يا أغلى حبيب.. وسامحني لا أستطيع تحمل العيش بدونك.. أحبك للأبد..!!؟" لم أُصدق عيناي.. كنتُ مذهولاً وقد سيطر عليّ الخوف والارتباك.. أعدتُ قراءة الرسالة عدة مرات.. فتشتُ كالمجنون بين سطورها وكلماتها الملتوية بانحناءات الدموع عن تفسير للفاجعة.. لم أعرف كم من الوقت مضى وأنا مشتتاًً وضائعاً في حيرتي.. لقد توقف الزمن! رميتُ الرسالة في الموقد.. أخفيتُ آثار الجريمة.. نعم أخفيتها وجعلتها رماداً.. ثم اتصلت بالشرطة..! أرجوكم.. اغفروا لي أيها القراء.. لقد برأني المحقق..! لكني لا أستطيع تبرئة نفسي..أرجوكم؛ ساعدوني لأغفرَ لنفسي.. إن عذابي أكبر مني.. ولن أنجو بفعلتي التي لم أرتكبها.. سامحوني.. أتوسلُ إليكم؛ صدقوني: "أنا لستُ مُجرماً".