مجلة أوغاريت - رواية

 

العدد الأول 2007 - رواية

"ألعاب الهوى" لوحيد طويلة:

وعي فائت لواقع متخلف فاته أن يصوغ وجوده

بقلم نديم الوزه

ألعاب الهوىتستجيب رواية "ألعاب الهوى" للكاتب المصري وحيد طويلة، لهذا المنحى التفكيكي المستجد في تناول البنية الفكرية التي تصوغ تصورات الإنسان المصري عن وجوده في هذا العالم، وماهية تفكيره بالعالم الآخر. وكما توضح الرواية تبدو هذه البنية ذات مرجعية دينية راسخة، لم تستطع تصورات الحداثة وأفكارها أن تخلخلها أوتزيحها جانباً لإنجاز مشروع علماني يثبت مشروعيته من خلال منجزات ملموسة على أرض الواقع وليس مفكَّر بها وحسب.

بهذه الخفّة من الطرح المتكرر والساذج لحال الإنسان العادي، والبسيط، أوبالأحرى المغلوب على أمره، يحاول وحيد طويلة ومن خلال بطل روايته "الشيخ حامد"  النيل من التجربة الناصرية وغيرها من التجارب الحديثة، متناسياً، أوغير مدرك ربما، أنّ هذه البنية المتخلفة في ذهن هذا الشيخ هي العامل الأساس لفشل هذه التجارب القومية والليبرالية وحتى الماركسية ولاسيما حين تتلبسها بإرادة براغماتية متخلفة، غالباً ما  ترتكز على الأصول الجينية الأسرية، القبلية، الدينية...إلى آخره، حتى أن هذا الشيخ بتلقائيته وعفويته يصرح بهذا الارتكاز حين يزهوبانتمائه إلى والده الإمام وصاحب النفوذ بين المشايخ من جهة وبانتمائه إلى عمّه الزعيم بين القتلة واللصوص من جهة مقابلة، ليؤكد مشروعيته السلطوية من مختلف الجهات، الشيء الذي يسوّغ له- حسب رأيه- أن يلقي باللوم وكما يفعل الأوصياء من شاكلته على الرعية أوالرعاع أوالعبيد وفق المعايير التراتبية التي يعتمدها، ليسوّغ لنفسه امتيازات شخصية ربما أكثر ما تتجلى لديه بالشراهة إلى الطعام، أوباستئثاره بأكل الزفر من اللحوم دون غيره من أفراد أسرته وأعوانه.. لكن قد لا يخفى على القارئ أن ما يستئثره أوصياء هذه الأمة من امتيازات تقتطع من موائد شعوبها ومما قد يدفئ أجسادها، يفوق بكثير مسألة الشراب و الطعام، ليغيب عن الأذهان مفهوم المواطنة، وليتحول مفهوم الدولة من علاقات شراكة أوعلى الأقل من تعاقد مؤسساتي واضح الحقوق والواجبات إلى قوّة سلطوية تراتبية بين النخبة والعوام، والكارثي أن تكون هذه النخبة من الجهلة الذين أثْرُوا من خلال زعماتهم المشابهة لزعامة عمّ الشيخ حامد آنف الذكر، والكارثة الأكبر أن يتحول العوام إلى رعاع حقاً حين محاولتهم اللاهثة للتشبه بهذه النخبة!.

ولكن من قال إنّ وحيد طويلة بهذه السذاجة؟ ولم يفكر بما أكتبه الآن؟ وإنما كتبه لكي أفكّر أنا و القارئ به؟

ربما انعطاف النوايا هذا ينسجم مع النوايا الطبية التي يبديها الشيخ حامد بين الحين والآخر، بمحاولاته الإصلاحية، ولكن المرتكزة، للأسف، على طيبة هذه النوايا وحدها. ذلك أن ما يفكر به ليس أقل أفقاً من الوعي التحديثي الذي جاء به جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وحسب، بل هولا يتخطى تذمرات موظف يرى الفساد والتقاعس من حوله ولا يستطيع حياله شيئاً، كالخلاف حول توفير أرض لبناء مصنع أوالتأمل في استعجال الناس لبناء مسجد لا يهمهم كثيراً ما يدعوإليه إمامه، هذا فضلاً عن الصراعات التي يخوضها الشيخ حامد للمحافظة على كرسي الإمامة- صراعات كان الروائي التونسي حسن بن عثمان قد استفاض في بواعثها وتفاصيلها السياسية والاجتماعية.. إلى آخر ما كتبته عن روايتيه البروموسبور وشيخان.

غير أنني أظنّ أن ثمة بواعث أخرى عديدة هي ما أفاضت وحيد طويلة ليكتب روايته، وقد يكون من أهمها هذا الوعي الحاد بالموت، أوطقوسه. وربما أبرز ما يثيره هذا الوعي، وينبغي رصده في هذه الرواية، وفي روايات وأبحاث يمكن أن تكتب، هوالتصور الجمعي لماهية الموت و كيف يتخيل شعب أوجماعة من الناس هذه الماهية؟ وإلى أين يمكن تفضي بالإنسان؟ وما أثر ذلك على حياته؟

جديد "ألعاب الهوى" وجاذبها للقراءة هوهذا التصور الطريف للحظات الموت، ومقاومة الشيخ حامد له. وربما أول ما يلفت انتباه الفكر الحديث هوغياب فكرة المجهول وبالتالي البحث والاستكشاف عن هذا التصور. إذ ثمة مصالحة مع الموت، ومعرفة به، وبكيفيته، فهوعبارة عن مغادرة أوترحيل للروح من الجسد الأرضي إلى العالم السماوي وذلك بواسطة الملاك عزرائيل الذي يتقمص في هذه الرواية، وأثناء النوم، عدداً من الشخصيات الميتة المعروفة من قبل الشخص المراد ترحيله أوالقبض على روحه.. و الطريف هنا هوما يبديه الشيخ حامد، بعد استيقاظه، من اعتراضات على مرتبة هذه الشخصيات الدنيوية التي تحاول مصاحبته إلى الآخرة، أوما يبديه من رغبة بالتأجيل للموت طالما أن ثمة من هم أضعف منه وأكثر جاهزية لذلك، فمصيره غير محسوم في دار الآخرة لأن حسناته تساوي سيّئاته، وهولا يستطيع أن يتسول، حتى من أقرب الناس إليه في الدنيا، بل من أمه، ولوجزءاً من حسنة يستطيع بترجيحها دخول الجنة.. و على هذا الأساس من التأجيل للمصير، وبالنتيجة لمفهوم العدالة، وفهم الحياة على أنها عرض زائل، يمكن التفكر ببلادة هذا الوعي المهلوس وعجزه عن فعل شيء ما يدفعه للنهوض والتغيير بدراية وعقلانية... لكن، وحسب علمي على الأقل، لا يمكن التسرع و اعتبار هذا الوعي دلالة إسلامية محضة، ويشمل مجموع المسلمين، باعتبار الشيخ حامد خريج الأزهر، ذلك أن يوم الحساب والقيامة وأحوال الروح هي بشكل عام من الغيبيات غير المصرح بها لدى المسلمين وعلمها عند الله وحده بدلالة القرآن الكريم. وما جاء على لسان الشيخ حامد هوأقرب إلى التصور الأفلاطوني للدنيا وانعكاسها عن عالم الآخرة.وربما هذا التصور هوما ساعد وحيد طويلة على بناء روايته وطرافتها الجمالية هذه المرة، وهوبناء يدل على حرفية وموهبة استثنائية في الحكي العربي بحيويته السردية ومقدرته على تفكيك هوية شخصياته وتركيبها لتبدو ماثلة في مخيلتنا بأفكارها وأحلامها وبيئتها وربما من سوء حظ وحيد طويلة أن هذه الشخصيات بمجملها أمية ومتخلفة وجاهلة فجاءت لغتها كذلك!..