العدد الأول 2007 - رواية
"مرايا الساعات الميّتة" لمصطفى الكيلاني:
محاولة لكسر الوهم الحداثوي بأوهامه الشكلية ذاتها!
بقلم نديم الوزه
في بحثها المستمر عن صيغة جديدة للحكاية، تبدو الرواية العربية في أحد تجلياتها المهمّة وكأنها لعبة زمن، بما يؤكد الفوات الحضاري للواقع الذي تتقاطع معه بشكل أو بآخر. حتى أن روائياً تونسياً مثل مصطفى الكيلاني يبدومستعجلاً عبر روايته هذه "مرايا الساعات الميتة" في لفت انتباه المتلقي إلى أهمية فعل شئ ما، الآن وفوراً وإلاّ فإنّ الآتي من الأيام لن يكون أقلّ عسفاً وتنكيلاً.
ولكي يفعل ذلك بمصداقية فنية على الأقل ، يلجأ إلى عملية اغتراب تفترضها عدّة معطيات واقعية استلهمتها روايته: أولاً، اغتراب حضاري بين آليات التقانة الحديثة والمجتمع المستوردة إليه. ثانياً، اغتراب السلطة عن الشعب. ثالثاً، اغتراب الروائي نفسه عن المجتمع، ممّا يفسّر: رابعاً, اغتراب زمن الرواية من ناحية ترحيله إلى المستقبل ليفضي إلى غربة رمزية من ناحية أخرى.
هذه الرمزية هي ما تشكل مفتاح القراءة الذي هوبمتناول القارئ العادي لحسن الحظ. وإن كانت الشيفرة مركبة هنا كما هي في الواقع أًصلاً على اعتبار أن الأوكسجين هوحاجة ملحة للحياة البيولوجية، إضافةً إلى كونه معادلاً موضوعياً للحرية بتعبير مختلف شرائح الحياة. أما إهداء الرواية إلى أطفال فلسطين والعراق فهويندرج في إيضاح مالا حاجة لإيضاحه ربما.
الاغتراب الأول:
قد لا تتبدّى غربة التقانة في المجتمعات المتخلفة في الجوانب المفيدة منها، وإن كانت بعض الدول في عالم الجنوب تعيش مشاكل مع وسائل التنقل، مثل السيارات، لم تعان منها المرأة البدوية في قيادة الجمال والأحصنة منذ مئات وربما آلاف السنين. لكن المرء قد يتغاضى أويتناسى هذه المشكلة الفلكلورية أمام مشاكل أشد خطراً من جراء استيراد التقانة الحديثة ولاسيما في عدم الالتفات لمضارها البيئية والسلطوية . فكيف الحال مثلاً إذا ما أخفقت هذه المجتمعات في الاستفادة من الطاقة النووية-لأغراض سلمية طبعاً- وحولتها الدول القوية إلى مكبّ لنفايات هذه الطاقة؟ الشئ الذي تنذر به الرواية على شكل تلوّث شامل سوف يجبر السكان الجنوبيين على الارتداء الدائم لأسطوانات الأوكسجين التي تشبه تماماً أسطوانات الغواصين المعروفة، بما ينتج تناقضاً حاداً بين عالم الشمال الذي يتمتع بأقصى منجزات التقانة مع سعيه الدؤوب ليبقى هواؤه نظيفاً وعالم الجنوب الذي يفتقر لأبسط مقومات الحياة ، أي الأوكسجين، وبسبب من هذه التقانة ذاتها.
الاغتراب الثاني:
قد لا يصح القول بأن الشعوب تنتج قادة جديرة بها دائماً، بل حتى ولوكان القول بذلك قابلاً للمناورة، كما في هذه الرواية ، إلا أن هذا لا ينفي حالة الاغتراب التي تعيشها الشعوب الجنوبية مع سلطاتها لأنّها ببساطة لم تشارك في انتخابها كما يحدث في عالم الشمال. وعلى أية حال توضح رواية الكيلاني أن الشركات المتنفذة في عالم الشمال غالباً ما تضغط على سلطاتها لتأمين حكام طغاة في عالم الجنوب يؤمّنون مصالحها بهدوء واستبداد قادر على سحق أوتغطية أيّة محاولة اصطدام يمكن أن تخدش حياء الشمال المتحضر إذا كان ثمّة(...) وإلا كيف يستطيع طاغية مثل النسناس أن يوفّر لنفسه كل هذه الحماية المسلحة بأحدث ما تمّ إنتاجه من بنادق ومسدسات ليزرية؟
إذن،هذه العلاقة التقليدية بين الشمال وطغاة الجنوب هي ما تبدو محوراً لهذه الرواية، فعلى الرغم من أن الروائي يتوقع أنّ البشرية سوف تستغني في القرن الثامن والعشرين عن النفط والاستعاضة عنه بالطاقة النووية ليسوّغ الافتراض بإمكانية ترك الشمال للجنوب بلا ضغوط لعدم المنفعة منه، إلا أن هذا الشمال لا يلبث أن يصدر للجنوب معاناة أفظع من كل ما سبق وتتمثل بالنفايات المشعة. وهذا يعني أن تطورّ التقانة لا يفترض تطوّراً أخلاقياً بالضرورة، بل هوفي حالة الجنوب يبدومعادياً لأي منحى أخلاقي يمكن أن ينتصر للإنسان وكرامته بما يعيد القراءة إلى الاغتراب الأول، بل إن الكيلاني يدير محور روايته هذه للتحذير من التقانة الفكرية في إدارة السلطات الجنوبية المقبلة.. فإذا كان النسناس رئيس شركة تزويد الأوكسجين، والحاكم الفعلي للبلاد، طاغية تقليدي على شكل أوديب الإغريقي فإنّ الرواية التي تنتهي بنهايته على يد طاغية أحدث بوسائله الاستبدادية وبلا عقد تقليدية، سوف تشي بخطورة فادحة للشعوب الجنوبية إن هي لم تفعل ما عليها فعله ضدّ هذا "الغول" المعدّ له.
الاغتراب الثالث:
قد يكون انحياز الرواية في كشفها عن صيغ الاستبداد في عالم الجنوب لشعوبه كافياً وحده لشعور الروائي بالتواصل أوالانتماء- الفكري- مع وإلى إلى هذه الشعوب. بل هويبدو في صياغته للحكاية وكيفية سردها متعالياً بما يعرف ويحاول بسطه على هذا الشكل التقريبي ليتمّ استيعابه وربما الأخذ به للقيام بالثورة أوما شابه..لكن أن يحدث ذلك يبقى الراوي الغائب عن سرد روايته ضائعاً في هذا الخضمّ من الثقافة التافهة التي تديرها الراقصات والمغنيات والسهرات الاستعراضية من أجل شغل الناس عن همومهم أوبالأحرى مواساتهم لتقبّل ما يعيشونه من فقر وذل... إلى آخره. والرواية إذ تؤكد ذلك ، وإذ تؤكد اغتراب كاتبها عن سلطة الاستبداد من جهة وعن سلبية المقهورين من جهة أخرى، إلا أن هذا الاغتراب قد لا يكون منتجاً لما هوفاعل بالضرورة لولا أن الكيلاني برؤيته النقدية يحاول كسر هذا الإيهام الحداثوي للثقافة وبوسائلها الإيهامية ذاتها.
الاغتراب الرابع:
ربما من المرايا الهامة التي تعكسها هذه الرواية تلك الراصدة لحالة الانتظار لما هوآ ت ومؤجل دائماً. أزمة وجودية عانتها الحداثة الأوربية أوعالم الشمال بكل تأكيد، وهاهي مستعادة بشكل تعسفي كصناعة لمقاربات وهمية لأمل ربما يبدومرئياً على شاشات التلفزة والسينما وما يتفرّع عنهما وحسب. من أجل ذلك يضع مصطفى الكيلاني قارئه في المستقبل مباشرة، بمعنى أنه يلعب ذات اللعبة الزمنية ليبين أن ما يحلم به عالم الجنوب ما هوسوى وهم حداثوي لن يجني منه إلا ما هوحاصل الآن أوما هوأسوأ مردوداً.
بمعنى آخر إن الحداثة المرجوة لا يمكن استيرادها هكذا وإنما ينبغي المشاركة في صناعتها وعلى كافة الأصعدة وإلا فإن الفوات الحضاري الذي نعيشه سوف يبقى ماثلاً مع فوارق شكلية قد لا تكون مشجّعة حتى لهواة الموضة الغرائبية في بلداننا، شئ يذكر بارتداء النظارات الطبية من قبل أناس سليمي العيون كما في مسرحية "غربة" لمحمد الماغوط، لكن حمل أسطوانات الأكسجين قد يبدومتعباً حتى لمن لا عمل له.. هل يفعل الجنوبيون شيئاً آخر قبل أن ينهاروا تحت ثقل أعبائهم؟ هذا ما تتساءل الرواية عنه، وهي بالتأكيد لا تنتظر الإجابة الحاسمة ، ومهما كان شكلها، من عالم الشمال!