مجلة أوغاريت - رواية

 

العدد الأول 2007 - رواية

"خطوط الطول..خطوط العرض" لعبد الرحمان مجيد الربيعي:

وهم الحداثة في كلام مباح عن الحب والحرب وأشياء أخرى

بقلم نديم الوزه

خطوط الطول خطوط العرضربما تتوزع أهمية رواية مثل "خطوط الطول..خطوط العرض" للأديب العراقي عبد الرحمن مجيد الربيعي على عدّة احتمالات تفترضها هذه المقدرة البنائية على التداعي المتباين لهيكليتها المناورة باعتبارها عملاً منفتحاً لتلاقي الموروث والحداثي في لحظة إبداعية نادرة تتجاوب مع استثنائية بطلها غياث داود والنساء اللواتي استطعن معاشرته وإن على هذا النحو العابر الذي يمثل بدوره لحضور الحداثة في الحياة العربية كفسحة للتنزه  أكثر من أي شيء آخر.

لكن ، وعلى الرغم من هشاشة هذا الحضور الواقعي على الصعيد الاجتماعي والنفسي إلا أنه لا ينبغي للمرء أن ينصت طويلاً لاسترجاع حكايات تماثل حكايات "ألف ليلة وليلة" ليطمئن إلى نهاية  سعيدة لا يبيحها واقع الحكي أصلاً، وفي الوقت نفسه قد لا ينبغي له أيضاً أن يندفع  لتقصّي كشفٍ نفسيّ بحجّة الاندفاع وراء تيار اللاوعي الحداثوي حتى ولو كان واقع الحال يبيح ذلك ويتطلّبه.بل إن هذا الاسترجاع النقدي لما أنجز, هو ما يؤصل هذا العمل الروائي  ليس باستحضاره لكلا الافتراضين السابقين ونفيهما وحسب ، وإنما على أساس من هذه الصرامة التي تهيكل الرواية وفق حركة يصعب إيقاف أحداثها على الأقل واقعياً . فإن كان الظاهر أن قوام السرد يتراوح بين التداعي وما يتيحه من تبادل للضمائر ولكن المنضبط بالتقطيع والتسجيل بل والتقرير الإخباري إلى ما هنالك من أساليب تحاول إيهام القارئ أو إقناعه بأن ما يقرؤه إنما هو حاصل فعلاً وحقيقة كما يكذب الكولاج تماماً. غير أن عبد الرحمن مجيد الربيعي يفعل ذلك بمهارة يكاد القارئ لا يفعل شيئاً حيالها سوى الإنصات ، المتأنّي ربما، لحكاية تروى ببساطة وقد لا تحتاج إلى أيّة عملية ذهنية، جبرية أو هندسية، لمعرفة أيّة خطوط ينبغي تتبعها للوصول إلى شكل القول أو دلالته.

أما لماذا هذا التركيز على بناء الرواية من قبلي؟ فلأنني أراه ضرورياً لإيضاح محوري قد لا تصح  القراءة النقدية إلا به، والقول: إن هذه الرواية إنما تقوم على خط طول واحد فقط هو الحب، يبدو أقرب إلى فهم الرواية لأنّ جميع الأحداث الأخرى هي ما أوحت ,وربما لكثير من القراء ،بأن هذه الرواية تتضمن عدّة روايات، وقد تكون كذلك فعلاً على اعتبار أن كثيراً من الروايات العربية المتداولة خرجت من تحت معطفها ولكن بدت ضئيلة داخله للأسف! أقصد تلك الروايات التي حاولت أن تربط الحب المأزوم بالحرب أو الثورة أو تلك التي حاولت أن تسرد شريط علاقات غرامية لبطلها على نحو ما حصل مع غياث داوود بطل هذه الرواية . أمّا باعتبار البنية الداخلية لخطوط الطول..خطوط العرض، فينبغي الحديث عن رواية واحدة لا أكثر ، وأن تكون متعددة الأحداث، أو متعددة الحكايات فإنما لكي تكون رواية وليست قصة قصيرة أو طويلة مثلاً. لكنّ السؤال قد لا يكون هنا، أقصد بهذا المنحى الشكلاني الذي بدأتُ به ماراً بسرعة على فكرة أساسيّة يجدر استكمال الرأي بها ، ذلك أن زمن الرواية قد لا يتحدد إلا بمصير شخوصها أو بالأحرى بكيفية صياغتها له،الشيء الذي افترض بناءها على الرغم من تناقض ظاهر قد لا يماثل بين حكاية الراوي غياث داود و كيفية سردها من قبل الروائي عبد الرحمان مجيد الربيعي بالضرورة. بمعنى آخر، قد يمنح التوقف عنده هذه الرواية ميزة إضافية وأساسية، طالما أنه يوضح، وإلى حد جارح حقاً، أنّ القطع الحداثي بين تاريخ العرب وحاضرهم هو متماثل وهذا القطع الراهن بين الشريحة الحداثية والمجتمع المنبتّة عنه، بما يمهّد الحديث عن استقالة فعلية تكتفي من خلالها هذه الشريحة بالإشارة إلى مصدر الأزمة والابتعاد عنه وكفى.

أمّا ما علاقة كلّ هذا بالحب؟ فالإجابة جاهزة في طبيعة العلاقات الغرامية التي يعيشها بطل هذه الرواية  و خاصة أن الروائي بفطنته لا يحمّل الأشياء ما لا تحتمل بل يترك شخوصه على سجيّتها وإن كان من تمرير لأشياء أخرى كالحديث عن السياسة والحرب والأوضاع الاقتصادية... فلأن ذلك هو تحصيل حاصل ما تعيشه هذه الشخصيات وتهتم به، بما يضيء شخصية بطلها وطبيعة تفكيره التي قادته إلى جميع هذه العلاقات الغرامية ونهاياتها. واختصاراً للقول كالتالي: إن الموقف السلبي للروائي أو لأحد شخصيات الرواية من الحرب اللبنانية مثلاً قد لا يؤثر على كيفية مسار العلاقات العاطفية المحكية في هذه الرواية كما هو الحال في الروايات الأقل شأناً، لكن ترافق هذا الموقف مع زمن الأحداث قد يساعد على تفهم الدور الهامشي الذي يقوم به غياث داوود ليدل على هامشية ما يفكر فيه، بقبوله لأفضل ما هو كائن أكثر من فاعليته معه، أكانت علاقة عابرة مع سميرة حليم ، أو استضافة وحسب لسحر نحاس التي لم تجعلها الحرب تقدم على خيانة زوجها المقاتل مع دبلوماسي متحضر- لم يدخل معترك السياسة في العراق إلا هروباً من أزمته العاطفية مع فاتن عثمان التي تزوجت مرغمة من طبيب ميسور !.. وإذا دلّ هذا على شيء فهو دلالة شاملة لمجموع علاقات الرواية تبعاً لأحداث كل علاقة على حدة. بمعنى أ ن غياث داوود لا يقحم معشوقاته في منظومته الفكرية إن وجدت بل هو يتفاعل وإياهنّ على أساس من الحب وحده، ووفقاً لظروفهن ذاتها مما يجعله بمنأى عن تحمل أيّة مسؤولية تجاه أيّ فشل قادم بما يشي بهشاشة نزوعه الحداثوي واغترابه الدائم في أي من المجتمعات العربية.   

إذن قد تبدو هذه العلاقة المتبادلة بين ظروف غياث داوود وظروف المرأة التي يحبّها عاملاً حاسماً في مسار الحب وتجلياته، بل إن تماثلاً رمزياً بين موت زوجته أميرة حسين وجنينهما لا يلبث أن يدفعه لهذا الوصف التقليدي، و لكل ما يعيش في هذا الوطن، بالعنانة. بل اختصاراً لكل ما قيل حتى الآن يمكن الحديث عن محور أساسي هو ما يجمع خطها الطولي بمختلف خطوطها العرضية وهو الموت بمختلف تجلياته البيولوجية والحضارية، هو الموت المتتالي لعلاقاته العاطفية على أية حال، وبعبارة أخرى : إن  خط الحب الذي هو غصن حيّ في هذه الرواية مصاب بنقطة ضعف هي دائماً تعمل على انكساره لحظة التعرّض لأيّ طارئ: تقليد اجتماعي أو اثني، سفر اضطراري، حرب.. إلى آخره. هذه المناورة الجدلية بين موت الحب مع امرأة وإمكانية إحيائه مع امرأة أخرى وبغير إرادة الراوي، ربما هي ما عزّز هذا الانسجام العلائقي في بنائها وربما كان لهذا البناء أن يكتفي بشكل ومسار تقليديين لولا وجود شخصية معقدة في حضورها المحفّز لكل التداعي الذي أنتج هذه الرواية وجعلها تسير على ما هي عليه، هذه الشخصية هي سعيدة بنت المنصف التي التقى بها في تونس حيث استقرّ أخيراً.

سعيدة بنت المنصف بتحررها الحقيقي قلبت المعادلة الجاهزة لدى غياث داوود الذي اقتصرت فاعليته في العلاقات السابقة على اقتناص الفرص المتوفرة لرجل أريحي ومتحضر في مجتمع يناقض ذلك، أو يعسر أن يقبله بلا مشاكل ، أكان ذلك في العراق حيث التقاليد والأعراف المستبدة، أم في بيروت حيث الحرب لا تتيح للحب سوى دور ايروسي يؤكد الحياة البيولوجية من جهة، ليقضي على أيّ تجلّ إنساني للعاطفة والحس معاً من جهة أخرى. و ربما هذا ما منع غياث داوود من الزواج مجدداً، فالحب الحقيقي، كما يرى، مات مع أميرة حسين، ومع أمه أيضاً!، وما تبقى هو ظلال لهما، أو هو فحولة كاذبة لعنانة وجوديّة يعيشها غياث ويتهم بها الواقع العربي من حوله، وإلاّ لماذا هذا الصراع مع سعيدة ؟ لماذا يبدأ روايته ويختمها بها؟ خاتمة مفتوحة هذا ما يتوهّمه، أمّا ما لم يعه حقيقة أن أيّة امرأة قادمة لن تكون سعيدة بنت المنصف ، أو حتى أميرة حسين زوجته، أو حتى حكيمة بنت الشيخ جابر أمّه. بل ما يميّز سعيدة عن جميع  النساء اللواتي التقى بهنّ غياث ، بما فيهنّ أمه وزوجته، أنها الثقل الموازي لهنّ جميعاً في الرواية ، وربما لولاها لما كان لحكاياتهنّ من أهمية تذكر، فهي الوحيدة التي انفصلت عن غياث داوود بإرادتها، هي الوحيدة التي واجهته بأزمتها لكي يشاركها بها‘ ولكنه العاجز عن أيّة مبادرة اكتفى بالمواساة حيناً وبالدعم المعنوي حيناً، معتقداً أنه سوف يستطيع أن يبقى محور الحدث والحديث معاً، بل الأنكى من ذلك أنه بقي على غروره حتى بعد أن تحدّت سعيدة ظروفها واستقبلته حيث تعيش حصارها وفقرها في ليلة أخيرة للقائهما ولم يفهم غياث بعدها أنه كان ينبغي أن يدافع عن حبه لها، لا أن يحاول قتل هذا الحب، وكالعادة ، بامرأة أخرى، ليختم حديثه بهذه العبارة المتشفية: " سعيدة بنت المنصف لم أبدأ بك، لذا لن تكوني خاتمتي".

إنّ هذا الوعي الزائف للحداثة، والاكتفاء بجني شذراتها، هو ما حاولت فضحه رواية الربيعي بكل وضوح ورويّة. وأن يكون الحب محور ذلك فهو دليل على أهمية قيام المرأة بفعل إيجابي يتجاوز رخاوة شهرزاد وحكاياتها الليلية، وربما هذا ما جعل الروائي يتيح لسعيدة انتزاع الحديث من غياث ولكن لحظة مواجهتها له لكي تبين لنفسها كم هي فحولته واهمة وكاذبة طالما أنه دفعها لخيانة اضطرارية مع ضابط حدود فرنسي لو صارحته بها في حينه لربّما كفّ عن كلامه المباح ولم يجر استعراض ما تمّ استعراضه.

صدرت الطبعة الثالثة من رواية "خطوط الطول..خطوط العرض" للأديب العراقي عبد الرحمن مجيد الربيعي عن دار الفرقد بدمشق هذا العام 2007