مجلة أوغاريت - اتصل بنا

 

ملف العدد - العدد الأول 2007

الشاعر السوري هادي دانيال:

"أنا حرّ في كتابتي إلى أقصى الحدود، فالرقيب ومقصّه لا وجود لهما في لحظة الكتابة عندي"
"الكتابة الصحفية عندي مجرّد تحبير على هامش الكتابة الشعرية لتأمين متطلبات الحياة من أجل كتابة الشعر"ولاسيما بعد أن "فشلت في التنقيب عن النفط مبكراً"

تونس: إشراف بن مراد

حوار مع هادي دانيالسبق أن قال عن نفسه : " أنا شاعر متمرّد ولست فوضويّا ، بدأت مبكرا كتابة شعر سليط يُمتع ويبهر المتلقي. أتحدّث عن قصائد شاعر السابعة عشرة الذي كنته، كانت ناضجة في المعنى والمبنى تستوفي الشروط الفنية كافة حسب لغة النقد الخشبيّة. كانت قصائد "تفعيلة" متقنة، فأنا لم أكتب القصيدة العمودية، لكنّني بدأت كتابة قصيدة التفعيلة، وما كان همّي أن أكتب شكلا فنيّا حديثا، لكنّ هذا الشكل الايقاعى هو الذي فرضته روح نصيّ الشعريّ المعبّرة عن روح إنسان متمرّد بالمعنى الوجودي بدءا قبل أن تتضح لهذا التمرّد أبعاد سياسيّة وطموحات فنيّة "

وقال فيه بلند الحيدري :" في كل [دواوينه] تتحوّل كلماته وصوره الشعرية إلى مجموعة من الرموز الشفافة التي يتداخل فيها الخاص والعام وضمن معادلة مرهقة ما بين حزنه الواقعي والإيماءات السريعة للعديد من الوقائع التي سبق وأن تعرضنا لقهرها مواطنين وأوطانا".

كما قال فيه أحمد مطر إنّ له "إمكانية رائعة على مزج الغنائية بالصور الحياتية الصلبة الحادّة، وإلى ذلك قدرة متكيّفة، فهو قاطع ممتلئ في قصيدته المكثفة، وهو صبور ذو نفس طويل في قصيدته الطويلة…"

إنّه الشاعر السوري هادي دانيال الذي اختار أن تكون طريقه غير بقية الطرق،إنّه "الفتى المحنيّ" كما يقول عنه صديقه الكاتب الحرّ سليم دولة.هادي دانيال ذات تواقة إلى الحرية في أرقى معانيها ، هي قناعة غرست فيه منذ نعومة أظفاره جعلته يتخلى مبكرا عن حضن العائلة الدافئ ليبدأ الرحلة المشوقة أو "الرحلة الكبرى "مع الحياة والشعر والنضال...

الشاعر هادي دانيال من مواليد 1956 باللاذقية (سوريا)، أصدر أولى مجموعاته الشعرية سنة 1973، غادر سوريا أواخر 1974 إلى بيروت حيث بدأ عمله مع الإعلام الفلسطيني في مجلة "الهدف" ثم في إذاعة الثورة الفلسطينية ثم في مجلة فلسطين الثورة.. من إصدارته الشعرية نذكر "بردى..ووفود الجوع"،"أناشيد النورس"،"رؤى الفتى"،"قصائد الحرب"،"كأنّ الرّدى بردى"،"في مهب الرغبات"، "رأس تداولته القبعات"،"موسيقى لانكسارات الأحلام".وله من الأعمال أيضا:"المسرح العربي على ركح قرطاج"،"غدر الكلاب وحكمة الحمير"(قصص أطفال)،"غضب الشمس"(قصص أطفال)...

هكذا هو هادي دانيال مسكون بهاجس الرحيل والمغامرة لكن قلمه واحد ورايته واحدة يرفعها في  كلّ الأماكن والمدن التي حطّ بها لنجد  صداها ونلمس بريقها في قصائده .هذه المرّة يفتح هادي دانيال  قلبه لنا ويتحدث عن طفولته ومغامراته ونضاله وشعره...فإليكم ما جاء من حوار:

1- بدأت رحلتك مع الشعر باكرا،ألم يحرمك ذلك من أن تكون طفلا عاديا كغيرك من الأطفال؟

-باكرا بدأت رحلتي مع الحرمان والتشرّد ، فمنذ ولدتني أم صغيرة، لم تبلغ السابعة عشرة من عمرها،انتقلت إلى حضن أمّها (جدّتي) لانّ أمي استقبلتني بحيرة، كأنها لا تعرف ماذا تفعل بي، فعملت الجدّة على تغذيتي براحة الحلقوم والشاي البرّي (الزوفا)وعرضتني على أثداء نساء القرية العامرات بالحليب.وفي السنة الثالثة من عمري تقريبا انتقلت للعيش مع جدتي وخالي في ضاحية (برزة) الدمشقية، وأذكر من تلك الفترة أنّ جارة صبيّة كانت /تسرقني/ من جدّتي وتلاعبني بحبات البرتقال التي مازلت أذكر كيف كنت أدحرجها ضاحكا على سجّاد فاخر يغطي بزخرفاته و ألوانه المبهجة أرض الغرفة.وعندما جاء والدي لإعادتي إلى أمي حاولت الاختباء عنه تحت السرير الحديدي ذي القوائم العالية بعد أن همست لجدّتي/أم عفيف/ يرحمها الله،قولي لابن "عجيب" -هكذا كنت أنادي والدي حينها-بأنني لست هنا!لكنه استعادني إلى قريتنا الخضراء المتربعة على هضبة من جبال اللاذقية البعيدة، لأبدأ حياة أخرى في أزقة القرية، ألعب بوحولها وثلوجها خريفا وشتاء، و أطارد فراشات حقولها و أتسلّق أشجارها، و أنصب الفخاخ لعصافيرها ربيعا وصيفا.وكنت دائما بطل أحلام يقظة،كأن أتصوّر نفسي داخل سيارة صنعتها من القشّ والوحل أقودها بين طرقات قرانا الترابية حينها ،أو أقود قاربا ورقيا من داخله وهو يتقافز على ماء ساقية صغيرة شكّلتها الأمطار.وعندما انتقل الوالد للعمل في الشركة الخماسية للنسيج تقاسمت  مع شقيقتي و أمي وأبي غرفة واحدة من دار يسكن غرفتيه الأخريين عائلتان قدمتا بدورهما  من قرى حماة وتقاسمت العائلات الثلاث  مطبخا واحدا ومرحاضا واحدا أيضا.

في مدرسة أبي ذر العقاري الابتدائية بالقابون ، الضاحية الدمشقية التي اكتظت  بالعمال والعساكر القادمين إلى دمشق من مناطق سورية النائية، كنت أتخلص تدريجيا من لهجتي الجبلية كي أتكيّف مع لهجة زملائي التلاميذ الصغار (القابونية).

ورغم أني كنت طفلا هادئا، كان ميلي  إلى ضرب من "الزعامة" واضحا، فحاولت تكوين فريق كرة قدم ،وفشلت، واكتريت دراجة هوائية فشلت في ركوبها أيضا،والى الآن لست قادرا على قيادة دراجة هوائية ولا على قيادة عربة ما كذلك بل لم أحاول الحصول على رخصة قيادة أصلا!،و أذكر أني اشتهيت بقوة اقتناء لعبة (رجل يقود دراجة نارية بمحرّك يجري تعميره بمفتاح!)فسطوت على خمس ليرات كان يدخرها الوالد في خزانة الملابس، ورفضت الاعتراف بأني الفاعل، رغم ضربه  المبرّح لي، وتحت وطأة هذه الحادثة حاولت الحفر في زاوية من المساحة الترابية المهملة أمام مسكننا متخيلا أنني أشمّ رائحة نفط وقد أعثر على بئر بترول يجعلني قادرا على شراء كل ما أشتهيه من ألعاب، لكنني فشلت أيضا في التنقيب المبكر عن النفط! ، فاتجهت، ربما بحثا عن التميّز وتحقيق الذات إلى الغناء والرسم وصناعة شريط صور متحركة، لكنني أيضا فشلت تحت وطأة السخرية من محاولاتي وعدم توافر المواد الخام اللازمة من ألوان و أوراق خاصة للاستمرار فيها، فوجدتني أكتب(أزجالا) و أغرق في قراءات كتب "جبران خليل جبران" و "المنفلوطي" و"محمد عبد الحليم عبد الله" و"نجيب محفوظ".. ثمّ أكتب الخواطر الأدبية والمحاولات الشعرية و أرسلها إلى الصحف المحلية،و أبتهج برؤية اسمي مطبوعا في ردودها التشجيعية ومن ثمّ نشر بعض هذه المحاولات.وفي الوقت نفسه كنت لاعبا ماهرا بالكرات الزجاجية الصغيرة الملوّنة ،وأكسب كل من يلاعبني ثمّ أبيعه ثانية ما أكسبه منه،و أوفّر من ذلك نقودا أشتري بها كتبا من عربات تتنقّل في شوارع دمشق وتبيع الكتب كما تباع الخضار في "سوق الهال".وما أن انتقلت إلى ( إعدادية الواقدي) في مدينة دمشق العتيقة حتى كنت قد أصبحت اسما متداولا  في الساحة  الأدبية السورية في بيروت.هكذا إذن لم يعش الشاعر طفولة عادية، وربما لهذا السبب، بين أسباب أخرى أقلّ وضوحا، قدّر له أن يصبح شاعرا.

2- أنت مسكون بهاجس الرحيل، فعن ماذا تبحث؟و إلى أي مدى يمكن للأمكنة أن تؤثر في تجربتك الشعرية؟

-كانت الرحلتان المذكورتان آنفا عن القرية خارج إرادتي(كانتا قسريتيّن)،لكنّ كتابين قرأتهما أوائل سبعينات القرن الماضي أنضجتا في داخلي قرار "الرحلة الكبرى" التي أجاوز بها حدود البلاد لأوّل مرّة سنة 1973.الكتابان هما (رامبو، قصة شاعر متشرد) لكاتب سوري كبير لم يلق ما يستحقه من الشهرة عربيا هو الراحل "صدقي إسماعيل"،والثاني كتاب(الشعر والتجربة)لماكليش.نعم كانت قراءة كتاب تدفع بالقارئ إلى اتخاذ قرار مصيري ، كأن تدفعك إلى مغادرة بلادك ولا تعود إلاّ  بعد عقود طويلة، كما حصل معي.هل يحصل مثل ذلك الآن مع قرّاء آخرين؟!.

بعد ستة  أشهر تقريبا عدت إلى دمشق لأمكث على قلق أشهرا فيها، ثمّ أغادر سنة 1974 نهائيا إلى بيروت أيضا، لكن هذه المرّة ليس تهريبا بوساطة سيارة أجرة بل في سيارة تابعة للجبهة الثورية لتحرير فلسطين عبر الخط العسكري الذي كان قائما بين سورية ولبنان لفائدة فصائل الثورة الفلسطينية تحديدا.وبعد عام تقريبا تسببت حادثة"باص عين الرّمانة" باندلاع الحرب الأهلية اللبنانية التي عايشتها بتفاصيلها البشعة إلى أن خرجت منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت سنة 1982 ، لتبدأ رحلاتي إلى اليمن الجنوبي فتونس، فاليمن الشمالي فالجنوبي ثانية ثم العودة إلى تونس، فقبرص،فالجزائر،فالمغرب فتونس فالعراق فتونس مرة رابعة و أخيرة.وتخللت إقامتي في بيروت رحلة نقلتني إلى بلغاريا ورحلة ثانية إلى الجزائر وبغداد،لكنّ الرحلتين معا دامتا أربعة أشهر فقط ، كما أنني تردّدت مرارا إلى يوغسلافيا في ثمانينات القرن الماضي، وهنا يؤلمني أنّ معظم الدول التي أقمت فيها سابقا تعرّضت لحروب مدمرّة (غزو خارجي أو حروب أهلية داخلية)كما حصل للعراق ويوغسلافيا والجزائر واليمن.والحقيقة أنّ جزءا كبيرا من تنقّلي بين هذه البلدان  كان سببه انتمائي إلى منظمة التحرير الفلسطينية و تأثري المباشر كشخص بظروف هذه المنظمة إلى جانب وضعي القلق أصلا داخلها، فأنا أنتمي إلى المنظمة ومؤسساتها الإعلامية والثقافية لكنني لا أنتمي إلى أي من الفصائل التي تكوّن هذه المنظمة أو التي خرجت عليها أو التي نشأت خارجها.ومع ذلك يمكن القول إنّ هاجس الرحيل سكنني رغم محاولة الاستقرار التي نتج عنها زواج سريع في تونس دام خمس عشرة سنة ، لكنّ هذا الزواج كان أخّف  من أن يثبّت جناحيّ إلى أعمدة مكان ما، فكنت أحمل أسرتي التي كوّنتها بعيدا عن سورية و أقلع بها متنقّلا من عاصمة إلى أخرى بين عدّة قارّات.عن ماذا أبحث؟ربّما عن استقرار مستحيل لروح قلقة،وربّما عبّرت شعرّيا عن هذه الرحلة، على الأقلّ في قولي:"لقد أوفدتني بلادي قبل نموّ عظامي إلى غابة الصخر"الذي لفت انتباه الشاعر الصديق "حميد سعيد" في مقاله (الاغتراب والتجدد) المنشور في ملحق الثقافة لجريدة "الرأي" الأردنية مؤخرا فعلّق عليه "حميد سعيد" قائلا:"...هادي دانيال، هنا  يطلق صرخة وجع، ضدّ اغتراب مبكّر، لكن يكفي أنّه خرج منه بهذه التجربة."

أما بخصوص الأمكنة، فلا شكّ أنّ لبعضها حضورا قوّيا في مدونتي الشعرية، وخصوصا بيروت التي عشت في المنطقة الغربية منها تسع سنوات تقريبا،ومن ميزات هذه المدينة العجيبة إضافة إلى مناخاتها الساحرة رغم ضيق أمكنتها،أنّك قد تسلخ الأشهر من شارع فيها بدون أن تشعر بالرغبة أو الحاجة إلى مغادرته ليلا نهارا، هل ثمّة بين مدن العالم واحدة تستوعب شاعرا بأجنحة مخيلته؟هكذا كانت بيروت التي أعرفها، بيروت  الحرية المطلقة والحنان المتدفّق والحياة الصاخبة على حافة الهلاك المحّدق بنا وبها، نراه ولا نراه،و أحيانا نحسّه ونلمسه ولكننا لا نعترف به، بل نسخر به هانئين ممتلئين بالأمل.

وغير بيروت ثمّة الجزائر التي ضمّخت رائحة مكانها وظلال مناخاتها القصائد التي أنجزتها بين شارع "ديدوش مراد" وبيتي الأزرق في "عين الله".

إنّ  بعض الأمكنة يصعّد عندك الإرهاصات ويجعل إحساسك أشدّ رهافة ويحضر بقوّة في لحظة الكتابة الشعرية، بينما يغمرك بعضها الآخر بضجر خانق غير خلاّق، وهذا على كلّ حال أمر يتعّلق بي شخصّيا و لا أراه قابلا للتعميم و إلاّ فإنّ الجزائر مثلا كان حريّا بها أن تقدّم لنا شعراء أهمّ بكثير من شعرائها الحاليين إنّما من جهة ثانية كانت المكان الذي كتب  فيه شعراء غير جزائريين أفضل قصائدهم كما هو حال "سعدي يوسف" ، "عزّ الدين المناصرة" ، "جبلي عبد الرحمان"...وغيرهم.

3- لو نسأل "هادي دانيال" الصحفي عن "هادي دانيال" الشاعر.ماذا يمكن أن يقول عنه؟

-لقد تمادى الصحفيّ عندي في محاصرة الشاعر وسرقة وقته وبعثرة رؤاه أحيانا،وعلى العكس من ذلك أفاد الصحفي من حدس الشاعر، بخاصة في كتابة المقال السياسي الذي رغم سوداويته، حذّر قبل عقد ممّا يحصل الآن،وكثيرا ما كان يقوم بدور"زرقاء اليمامة" التي لا يصغى إليها حتى بعد فوات الأوان.لكنّ هادي دانيال يجلّ الشاعر  ويناصره معنوّيا في مقاومة الصحفيّ الذي يستمدّ قوتّه من واقعيته ومن كونه (المتفضّل) على الشاعر بالغذاء والكساء والدواء والإيواء، رغم أنّه كان دائما (الصحفيّ) الذي يساوي المداد في يراعه، الدم في عروقه وخفق الفؤاد بين أضلاعه، ولذلك تجدينني أجمع مدوّنة الشاعر و آراءه وبعض سيرته في كتب ومجلدات بينما لا أفكّر، حاليا في الأقلّ،في جمع ولو مختارات من مقالات الصحفي بين دفّتي كتاب ما.

4- أنت تمارس العمل الصحفي،ألا يمكن أن يشوّش عليك ذلك هاجسك الشعري؟

-إنّ العمل الصحفي يشغلنا أكثر بالشأن العام وتفاصيله الواقعية اليومية،وهذا بالتأكيد يرهق المخيلة ويبلّد الأحاسيس أحيانا،وهو عندي يتسبّب في تباطؤ ملحوظ على مستوى الكتابة الشعرية خوفا من /التشويش/ الذي أشرت إليه محقّة،ذلك أنّ الشعر يفرض علينا التفرّغ له ما أمكن قراءة وكتابة وتأمّلا و إلاّ خذلنا أو عاقبنا  بقسوة أقلّها التمنع إلى أجل غير مسمّى، لذلك أسعى ما أمكن إلى أن أقنع الشعر أنّ مكانته عندي هي الأعلى و أنّه حاضر في كتابتي الصحفية حضور الخالق في مخلوقاته ذلك أنّ الكتابة الصحفية عندي مجرّد تحبير على هامش الكتابة الشعرية لتأمين متطلبات الحياة من أجل كتابة الشعر.

5- أين يمكن أن تصنف نفسك بين أبناء جيلك؟وكيف ترى المشهد الثقافي العربي عموما والشعري خصوصا في ظلّ الضغوطات و الأوضاع التي يعيشها العالم العربي؟

عادة لا أجيب على مثل النصف الأوّل من سؤالك هذا. أماّ المشهد الثقافي العربي فهو أكثر من معتم إننا نعاني من انهيار شامل يمسّ في العمق هذا المشهد وبخاصة في جانبه الشعري، فالإعلام العربي الآن وكذلك المنابر الثقافية "الإبداعية" و"الأكاديمية" تقدّم لنا شواهد مقزّزة على أنّ لحظة انحطاط ثقافي/غنائي وموسيقي وشعري بخاصة/تستهدف ذائقتنا وتئد من تراكم من انجازات تاريخية على هذا الصعيد،وإنّها لبدعة تدعو إلى الرثاء أن تفرز لنا "الصحافة"و "الخطابة" بتقنياتهما البدائية"شعراء" و"نقادا" مزعومين لملء فراغ مزعوم،توهم به من اعتقد أنّ الشعر غير موجود إن لم"يرصّع" منابر الأمركة من قنوات فضائية ومواقع الكترونية وصحف البترودولار العابرة للقارات!

إلاّ أنّ هذه اللحظة بدأت تتراجع مع تراجع الهجمة الصهيو-أمريكية على أمتنا، و بدأت الغشاوة تنقشع ، فمع التصدّي البطولي الذي قامت به المقاومة الوطنية اللبنانية في الصيف الأخير في مواجهة الجيش الإسرائيلي و إلحاق الهزيمة به التمعت في الآفاق التماع"صواريخ حزب الله" كتابات شعرية تعلن بداية جديدة وجيدة لديوان العرب، ولا يقلّل من ذلك أنّ بعض أصحاب هذه القصائد سارع للتشويش على منجزه هو عندما قزّم روحه بالظهور على قناة"الحرّة" أمَة جديدة عند راعي البقر الذي يرعى عندنا"الإعلام والإبداع والديمقراطية"!

وفي العراق تفاخر  المدّونة الشعرية المعاصرة بما ينجزه شاعرا المقاومة الوطنية العراقية الكبيران"حميد سعيد"من عمّان مؤقتا ،و"سامي مهدي" من بغداد دائما، فهذان الشاعران أعادا للمعنى في الكتابة الشعرية العربية الحديثة اعتباره الذي أضاعه شعراء الألفية الثالثة بخاصة،وقدّما نصوصا في منتهى الجمال ضمتّهما مثلا مجموعاتهما الشعريتان("من ورد الكتابة إلى غابة الرماد" لحميد سعيد،و"مدّونات هابيل بن هابيل" لسامي مهدي)الصادران عن دار أزمنة للنشر والتوزيع في عمّان.

ويمكن للقارئ والناقد المهتم حقا بصيرورة القصيدة العربية أن يتابع ما يكتبه هذان الشاعران العراقيان الكبيران في مجلاّت وصحف عربية كالآداب اللبنانية والقدس العربي اللندنية وغيرهما...كالرأي الأردنية مثلا، ففي نصوصهما طموح كبير في المعنى والمبنى يعبّر عن إرادة مقاومة عالية لمواجهة الرداءة التي تفيض عن إرادة صهيو-أمريكية بدفع أمتنا إلى تمحّل إبداعي وتصحّر وجداني يزيدانها ضعفا وخضوعا واستكانة لما يخططّه ضدّها حماة أمن إسرائيل والطريقة الأمريكية في الحياة.

وبما يخصّني أسعى أن لا أحيد عن وجهة تيار الشعر المقاوم بجمالية عالية الذي يعبّر عنه الآن العزيزان "حميد سعيد" و "سامي مهدي" بما ينجزانه بعيدا عن التسويق الإعلامي.

ويمكنني بدون تلكؤ أن أشير إلى أنّ لهذا التيار روافد تتلألأ بنظافتها واقتدارها فكريا وجماليا،كأن نذكر مثلا "سليم دولة" و"مصطفى الكيلاني" من تونس،والكاتب العراقي"عبد الرحمان مجيد الربيعي"،ومن المغرب "ياسين وطه عدنان" ومن الجزائر "جروه علاوه وهبي" ومن سورية ولبنان "صقر أبو فخر"،"نديم الوّزة"،"سماح إدريس" ومن فلسطين "رشاد أبو شاور" و"نصري حجاج" على سبيل المثال لا الحصر، وهو بلا ريب تيار يفتح الآفاق  أمام مشهد ثقافي وشعري عربي ساطع ومشّع يمكنه أن يفاخر بما يقذّمه من ثمار إبداعية عصية على الفساد في أي زمان ومكان.

6- إلى أي مدى يمكن للشاعر العربي اليوم أن يهضم تحولات واقعه ويعبّر عنها؟أي هل مازال الشاعر ملتزما بقضايا أمته؟

كما ألمحت في جوابي أعلاه ،تأسس اليوم تيار ثقافي وإبداعي عربي تأسسا عفويا يوازي تأسسّ المقاومة الوطنية في كل من العراق ولبنان وفلسطين كرّد فعل طبيعي على الغزو الصهيو-أمريكي بأشكاله العسكرية والسياسية والإعلامية والثقافية والشاعر من هذا التيار "يهضم تحوّلات واقعه ويعبّر عنه" بوعي ديالكتيكي عميق وحيوي ويعبّر عنه  بصدق وجمالية عاليين،وكما أسلفت أضع (وسيلة إيضاحية لذلك) ما يكتبه الآن بخاصة الشاعران العراقيان المجيدان "حميد سعيد" و "سامي مهدي" وينشرانه في مجلّة "الآداب" اللبنانية الصامدة بنبل والمقاومة بعنفوان.وشعر هذا التيار المقاوم ملتزم بقضايا أمته أجمل و أنبل التزام.

7- عندما يكتب هادي دانيال، هل يكتب لنفسه أم لغيره أي هل يفكر كيف سيقرأ؟

في لحظة الكتابة الشعرية،أفيض على الورق،ثمّ أعيد صياغة هذا الفيض مستخدما ما أمتلكه من مهارات تقنية،حينها لا أفكّر بأيّ قارئ إطلاقا،أعيش لحظة إبداع ممتعة و"مبهجة" حتىّ تصوغ آلاما و أحاسيس حزينة أو تكشف بإشراقاتها الإبداعية عن مساحات أمل الآن أو في المستقبل،هنا أو هناك.ولأنّ الشأن العام يمتزج عند كلّ شاعر مقاومة بالخاص أو الشخصي يصدر ما أكتبه عن ذات صادقة، فعندنا ليس أجمل الشعر أكذبه، قد يصل ما نكتبه إلى القارئ بسهولة غالبا، فنحن نطمح إلى كتابة الجميل الممتع المفيد،ولذا جلّ ما نفعله أنناّ قد نراقب تأثير أو حضور ما نكتبه عند قرائنا الذين يفاجئوننا بردود فعل و اهتمامات  تغبطنا.

8- إلى أيّ حدّ أنت حرّ في كتابتك؟ وكيف هي علاقتك بمقصّ الرقيب؟

أنا حرّ في كتابتي إلى أقصى الحدود، فالرقيب ومقصّه لا وجود لهما في لحظة الكتابة عندي،والناشر المعني بالرقيب ومقصه لا يعنيني ،وقد تعرّض كتاب لي والعديد من مقالاتي إلى منع مؤقت،لكنّ ذلك لم يفتّ في عضدي ،كما يقال،ولم يجعلني ذلك أفكر في الرقابة والمنع للحظة كتابة واحدة.إنّ الكتابة الإبداعية فضاء حرّ في المطلق،والحرية شرط الإبداع الأولّ.وأكرر دائما و أجد الناشر الذي يقدّم إلى القراّء ما أكتبه بنقاطه وفواصله صحفا ومجلاّت ودور نشر رغم محاولات الحصار والمنع البائسة واليائسة.

9- قال الشاعر "محمد علي شمس الدين":"إنّ الشعر هو الفرح في الخيبة".فماذا يقول هادي دانيال؟

أنا لا أعرّف الشعرّ عادة،وما قاله صديقي وزميلي الشاعر "محمد علي شمس الدين"واحد من التعريفات الصحيحة ولكن غير النهائية بالتأكيد.

10- بعد هذه المسيرة الحافلة بالعطاء والمغامرات أيضا،ماذا جنى هادي دانيال من الشعر والرحيل؟

-وهل أجمل وألذّ من أن أجني شهد الكرامة وراحة الضمير وحدائق شعر أطمح أن تبقى معلقة على شرفات كلّ زمان ومكان تساعد الإنسان على تنفّس أوكسيجين الأمل؟

11- هل مازلت تبحث عن الحرية؟ألا تعتقد أنّها سراب في عالم تكبله القيود والأقنعة؟

-أنا من الذين يعتقدون أنّ حريتي تبقى ناقصة مادام ثمّة إنسان يستغّل ويستعبد في شبر من هذه المعمورة، فما بالك إذا كانت أميّ لا تزال تعاني من أبشع و آخر احتلالين أجنبيين يربضان على ترابها في فلسطين والجولان وشبعا والعراق.

ومرّة أخرى إن روح جيفارا تلهمني النضال دائما من أجل الحرية كشأن عام، ومن خلال هذا النضال أشعر أنني حرّ بينما فاقد الحرية هو ذلك الذي يحجبها عن الآخرين، فعدّو الحرية الذي يكبّل شعوب العالم بالقيود والأقنعة لا يمكن أن يكون حرّا.

12- عندما تنظر إلى ما حققت في قصيدتك، هل تشعر أنّك أثبت ذاتك في شعرك؟ألم تندم كونك ارتكبت معصية الشعر؟

-بالتأكيد أنا أثبت ذاتي الإنسانية من خلال ما حققته و أرنو إلى تحقيقه شعريا،ولولا أنني متأكد من ذلك لكنت توقفت عن كتابة الشعر الذي به أو من خلاله أحقق ما حرمني منه الواقع الذي نسعى جميعا إلى تغييره نحو الأفضل،وفي حال كهذه كيف يخطر لك أنني قد أعدّ الشعر معصية؟!