مجلة أوغاريت - اتصل بنا

 

ملف العدد - العدد الأول 2007

الشاعر السوري هادي دانيال:

المَوْتُ مِنْ خَلْفِي و مِنْ أَمامي،لكِّني...

بقلم د.مصطفى الكيلاني، أديب من تونس

1- رغباتٌ شتّى ضِمْنَ إرادةٍ كاتِبةٍ واحدة:

هادي دانيال - الأعمال الشعريةحَيْرَةُ الأساليب هي،لا شكّ، بعضٌ من حيرة السُبُل في مسارّ تجربة هادي دانيال الشِعريّة،كأن تُطابقَ الكتابةُ الوقائع الحالاتِ والمواقفَ أحياناً لتنزع إلى الإيحاء أحياناً أخرى دُون التوغُّل في كثافتِهِ الصفيقة خوفاً على الملفوظ الشعريّ من الإغراق في عتمة المعنى المُنفلِت من معناه أو لا مَعْناه.

وكما يستبدُّ هاجس الانتماء الإيديولوجيّ بالشاعر تتمرّد القصيدةُ في الغالب على مُسْبَق الدلالة بثوريّةٍ تُؤالف بقصْد الكتابة ولا قصدها بين الأسلوب ووظيفةِ الشعر، بين جماليّة الفنّ القَوْلِيّ بالتخوم الدالّة القصِيّة ونواة الذات والمعنى الحافّ بها. لذلك تُراوح تجربةُ الكتابة الشعريّة لدى هادي دانيال بين القصيدة-الومْضَة بضَرْبٍ من الالتفاف الخاصّ حول تِدْلال (significance) الشعر والقصيدة المُطَوَّلة تُحوِّل مجرى النصّ الشعريّ من ذلك التِدْلال المُكَثَّف إلى الدلالة (signification)   المُنبسطة،ذهاباً وإياباً بين المُطابقة والإيحاء، وبين الدلالة والتِدْلال، وانتهاجاً لألوان المُؤالفة بينَهُمَا بأسلوب ثالث، كالمُطابقة المُوحِية والإيحاء المُطابق.

كَذَا تتنازعُ الذاتَ الشاعرةَ رغباتٌ شَتَّى ضِمْنَ إرادةٍ كاتِبَةٍ واحِدةٍ. فهو الثوريّ المُلتزم بقضايا العُمّال والفقراء والوطن والأمّة في البَدْء والأثناء، وإلى آخر حَرْف في هذا المتراكِم النصوصيّ،وهو البُوهيميّ المتسكّع العاشق المهووس برغبة التنقّل بين البلدان والاكتواء بنار الغُرْبة فِرَاراً من المكان إلى المكان، ومن الهلاك إلى الموت بدلالة الحياة ذاتها حينما تكتسب الحياة وهج المغامرة من أقاصي وَعْي الموت، من تخوم الكارثة، عند تمَثُّل بَدْء الوجود و انسياله ومآله.

فأيّ ثابتٍ، إذن، يسكن هذا العَدَدَ المتكثِّر المُتناسلَ لتنْتظِم به نوَاةُ الذات الشاعرة ويتآلف الملفوظ الشعريّ بها؟.

2- ثَمَّةّ مُفْتَقَدٌ مّا حَفَزَ الشاعر على السفر الأوّل:  

الرحم. فِطام المشيمة تشهد به الذات الشاعرة على الفاجعة المشترَكة لِبَنِي الإنسان، وفطام الرضاع يُعَمِّق الجرح الأوّل ويُكسِب قصيدة هادي دانيال أبعاد التجربة الجماعيّة لِكُلّ البشر، وعقوق جميل آسِر لِمن اختار الابتعاد عن الأحضان الأولى دُون التجاسُر على إنْكار عشق البدايات في مكانٍ هُنا (القصيدة) أو هناك (الوطن أو العالم).

وإذَا الثابت مُزْدَوج في وَاحِدٍ يَرد على شاكلةِ جُمْلةٍ دلاليّة تنكشف لتحتجب وتحتجب لتنكشف، كَأن يتردّد صَدَاها على امتداد هذه الأعمال الشعريّة، ومَفادُها عشق سوريا وعشق الكتابة. أمّا عَدَا هَذا فَمُتغيّرات لا تستقرّ على معنى واحد رغم نزوع بعضها أحياناً عديدة إلى التكرار، كالالتزام الثوريّ ورغبة التمرُّد على كلّ مفهوم راكد أو قِيمة جامدة ونداء الحُريّة بمُختلف عباراته الجسديّة والفكريّة والروحيّة، الوجوديّة والسياسيّة والإيديولوجيّة...

فَثَمَّةَ مُفتَقَدٌ ما حَفَزَ الشاعرَ على السفر رَغْم هذا الثابت المرجعيّ الذي هو عشق سوريا. وكما شهد الاسم ولادته الأولى (هويّته الطبيعيّة) بالأسرة والوطن اكتسب البُعْدَ الآخر للهويّة بالكتابة، التي هي بمثابة الولادة الثانية في تاريخ هذا الاسم. وما تَآلََفَ في واحِدٍ سُرْعان  ما أفضى إلى انفصام حادّ، ذلك القلق الناشئ المُتنامِي المُتعاظِم  الناتج عن عشق الوطن و حُلم الحريّة القائم في الكتابة و بالكتابة.

فكيف للذات العاشِقة أن تُخْلِصَ لِمعشوقها دون التفريط في حقّها في الوجود بالكتابة والالتزام؟.

وكيف للوجود بالكتابة أن يستمرّ في مجالٍ من الحظْر والقهر؟ أليس الفرارُ من المكان إلى المكانِ/الأمكنة بالسفر خُروجاً مُؤقتاً من جحيم هذه الوضعيّة أم توسيعاً لدائرته وتعميقاً لِنُدُوبه وعذاباته؟.

فالذي حَدَثَ لِهادي دانيال تَكَرَّرَ في حيواتٍ أخرى لِثُلَّة من شعراء وأدباء ومُفكّرين وفنّانين أنْشأهم الرحم ذاته واستبدّ بِهم ذلك العشق الدِمَشْقيّ الجميل الدامِي المُخصب.

3- الإصرار على التغنّي بالألم والأمل:

 وكأنَّنا، عند قراءة مُجمل هذه الأعمال الشعريّة، نُتابع سيرةً ذاتيّة لِشاعِر نشأ في سوريا وبدأ تجربة التنقّل في ربوعها واكتسب في هذه الأثناء، وتحديداً منذ بدء السبعينات من القرن الماضي، ثقافة ثوريّة أساسُها الالتزام بقضيّة العُمّال والحُلم بوَطن آخر مُخْتَلِف.

كَذَا تنشأ الكتابة الشعريّةُ رافضةً لِكُلِّ الثوابت الاجتماعيّة والسياسيّة، متمرّدةً على عادات المجتمع القهريّ وتقاليده، مُغامِرةً مُتوتِّرةً فاضحَةً للهزيمة السالفة والحادثة.

فلا انفصال، إذن، في المشهد الشعريّ الموصوف بين العُمّال الكادحين و الفقراء و أطفال الفقراء و الوطن الذبيح و الأمّة المُستباحَة و الرايات الحمراء وتسكّع الشاعر بَدْءاً بين (كفرية-اللاذقية) و دمشق و بيروت ليتّسع عشق الوجود و الثورة بالحلم و تعدّد الأمكنة و يضيق في الأثناء بالقهر و الهلاك البطيء و انحباس الأفق:

                      "أرحلُ هائماً لا قلبَ يُرْشِدُني"

إلاّ أنّ الذات الشاعرة، وقد حاولت الابتعاد عن الوطن عند البداية، سُرعانَ مَا عادت إليه ليعقب الالتفافُ حول الذات حركة الاندفاع الأوّل، كَطِفل يُذعن لإرادة الأب خَوْفاً على النفس من عقابٍ أشدّ، أوْ لِنَدَمٍ مُباغتٍ، أوْ للبوح و الاعتراف بما اقْترفَتْه أيادي الطُغاة الآثِمة في حقّ الفرد و المجموعة مُمَثَّلَةً، على وجه الخصوص، في طبقة العمّال و الشعب.

فتبدو الذات الشاعرة، في هذا البوح-الاعتراف مسكونة بِعشْق سوريا، مَهْوُوسة في الآن ذاته برغبة الاستمرار في الكتابة.

و لأنّ الوطن مُحاصَرٌ كالإنسان الذي ينتمي إليه تماماً فإنّ هامش الحريّة لا يكون إلاّ بتَمَوْقُع الشاعر حول نواةِ ذاتِه و الإصْرار على التغنّي بالألم و الأمل، بواقع الحظْر و إمكان التخلّص من براثن العادة و الهلاك البطيء. لذلك لا تستقرّ الكتابة الشعريّة على حال، بل تصطدم، كما أسلفْنا، بحَيرة السُبُل، عند التردُّد بين كتابة الشعار و شعار الكتابة، بين إعلان التمرّد و التصريح بفاجعة الذات الحبيسة المُحَاصَرَة في واقع الجحيم الموروث، بين المطابقة الصريحة الصادِمة و إبطان الحالاتِ و المواقف.

و هي الحيرة التي ستظلّ مُنغرسةً في لَحْم الكتابة، نازفةً على امتداد هذه الأعمال الشعريّة، إذْ كيف للشاعر الثوريّ الملتزم بايديولوجيا مَّا أن يكون فنّاناً مُبْدِعاً و صاحب قضيّة، كغارسيا لوركا و بابلو نيرودا المذكورين في مواطنَ عدِيدةٍ من هذه الأعمال؟ كيف لشاعر الثورة و المقاومة أن يصل بين مناخيْن مُختلفيْن في تجربةٍ كتابيّة واحدة، بين شعر السياسة و سياسة الشعر؟ أليس الجمْع بينهما مِنْ قبيل استحالة حُبِّ امرأتيْن في وقْتٍ واحِد؟.

و هل الجمْع المقصود بينهما في حيّز هذا "الإمكان المستحيل" أو "الاستحالة الممكنة" تجسيدٌ آخر للحال التراجيديّة الناتجة عن التردّد، في الطور الأوّل من التجربة الشعريّة، بين كتابة الالتزام و الالتزام بالكتابة؟.

4- الكتابةُ الشعريّةُ بين الغُرْبة والاغتراب:

لقد أمكن للذات الشاعرة إدراك حقيقة بَدْئيّة مفادها، في تقديرنا، المُؤالفة بين المُخْتلفين على أساس التَمَوْقع والانفتاح معَاً، الرجوع إلى المكان الأوّل(الوطن) بالسفر المُضادّ بَدْءاً، وبالتذكُّر في الأوقات اللاّحقة من التجربة الشعريّة، والتنائي عنه في مُتعَدّد الأمكنة-البلدان.

ولئن سعت الذات الشاعرة إلى اكتشاف مواقع ووقائع جديدة خارج حدود المكان الأوّل لشحْذِ الهمّة وإذكاء الأمل فإنّ الحريّة إمكانٌ يُرْتجى، والغربة جُرْح يعمق كُلّما أوغل العُمُر في غابات الوجود الموحشة.

فيستبدّ بعالم الكتابة مُفتَقَد الحريّة بَدْءاً داخل الوطن، ومُفْتقد الوطن عند نُشدان الحُريّة بعيداً عن الوطن.

وبين الاغتراب والغُربة تتراكَمُ علامات التجربة الشعريّة كي تُنشئ في الأثناء إبدالات كبرى، هي بمثابة اللحظات الحَدّيّة الفارقة بين السابق واللاّحق من الأطوار.

إنّ البداية، كما أسلفْنا، تُحَدّ بالوطن وداخل ربوعه حيث الحريّة تُنْشَدُ ولا تُدرَك، والفرد مشروع للتحقّق لا يُفضِي مسارّ كفاحه إلى إنجاز، بل هو شعور الموجود(etant)الحادّ أمام قساوة الوجود تتكرّر عباراته في القصائد الأولى المُؤرَّخة بالسبعينات من القرن الماضي.

وكما تتكثّف علامات الانحباس والشعور الحادّ بالقهر في الطور الأوّل من مسارّ التجربة الشعريّة لهادي دانيال ينكشف بين الحين والآخر بصيص الأمل بالمستقبل الجديد المُمكن:

"غَدَاً أجئُ

وفي يديَّ الشمعةُ الحمراء..،

والزمنُ الجميل..

وبالزنابقِ

والعصافيرِ الجميلةِ

أحتمي!.."

كَذَا يستمرّ التَغَالُب علىّ أَشدّه في ذات الشاعر، خلال هذا الطور الأوّل، بين الغُرْبَة المُمِضَّة ورغبة السفر الدائم، بين الهجرة المُؤقتة والعودة السريعة إلى سوريا، حابسة الشاعر وحبيسة ذاته معاً.

إلاّ أن حلم الثورة في هذا الطور الأوّل حفز الشاعر على مغالبة عشق الأمومة –الرمز فيه والاندفاع في نهج المغامرة بالسَّفر بحثاً له عن آفاق جديدة بتوسيع دائرة المكان لينشأ بذلك وجه آخر للمأساة مُمَثّلةً في إصرار الشاعر على التزامه الأوّل والاصطدام بمُعوّقات ووقائع صادِمة تَحُول دون تحقيق ما يرغب فيه ويرتجيه.

كما يتعاظم فيه عشق الوطن بحُزن الفراق وضخامة اليأس دون فقدان الأمل بمزيد السفر بين البلدان والفرار من الأمكنة إلى الأمكنة بحُريّةِ من يرفض التسليم بالمواقع المُغلَقة والاستكانة ويرتضِي له التَسَكُّع والضياع

وعذاب المجهول والخصاصة بديلاً للارتكان إلى موقع واحد والاكتفاء بانتظار ما يحدث، وما سيحدث.

وإذا الاغتراب أكثر إيلاماً للشاعر من الغربة، لأنّه العذاب المُتكثِّر الذي يحمل فيه أُوار الغربة الأولى و قساوة حياة الاغتراب مَعَاً، فيدفع الذات الشاعرة في عديد المواطن من هذه الأعمال الشعريّة إلى حافة اليأس الذي سُرعان ما يتبدّد بالنقيض الذي هو أمل الثورة ووهج ذلك العشق القديم المُتجدّد, كَطِفْل ضائع يستجير بصورةِ الأمّ نِداءً واستعطافاً، أوْ كَمَوْجُودٍ مُتْعَب يستظلّ بشجرة الذاكرة ليستوحي منها معانيَ أخرى للقوّة بُغْيَةَ الاستمرار في مغامرة الوجود في الكتابة وبالكتابة.

5-الرغبة المَهْوُوسة بالوُجود الثوريّ وثورة الكتابة:

ولأنّ الكتابة مسْكونة الإيديولوجيا، مدفوعة إلى حَدٍّ مَّا بِِها وبالظروف الحافّة بالموجود فهي ترفض الإذعان الكامل للمُسْبق الإيديولوجيّ كي يتحقّق بذلك تفرّدها الجماليّ، كما تنعكس حُريّتها الجامحة في الإيديولوجيا ذاتها.

ذلك ما يقضِي انفتاحَ مبدأ الثورة على حُلْم الأمّة في التحرّر والتقدّم والوحدة بالتزام مُتجدِّد يتّسع مَدَاه بمُشتَرك الماركسيّة و القوميّة، أو بالقوميّة تنشأ بَدْءاً في السابق و تنمو في الطور الثاني من التجربة الشعريّة من غيْر أن تقطع مع جذور الانتماء الإيديولوجيّ الأوّل.

لقد أمكن للذات الشاعرة باتّساع مجال الرؤية، عند السفَر و بالسفر، النظر إلى واقع الأمّة المستباحَة و تمثُّل الحُريّة المُغتصبَة هُنا و هناك من الخارطة العربيّة الكبرى و اكتشاف حقائق شتّى لاسْتحالة إنْجاز حُلم التغيير.

و لئن تأكّدَ العشق و استبدّ بذات الشاعر قويّاً ناسفاً للطمأنينة، مُذَكِّراً بالبدايات الأولى، ماثلاً في الأنوثة-الرمز بمُجمل الصفات المُخاطَبَة أو المُتَذَكَّرَة فإنّ الثورة حُلم قديم باهت تزداد سِماتُه انفساخاً بتقدُّم الأعوام.

لذلك كلِّه تتّخذ المكانيّة ُ لها في شعر الطور الثاني من تجربة الكتابة شكل الدائرة تتّسع لتضيق بانحباس حادث آخر يُواصل انحباس أعوام تجربة الوجود و الكتابة الأولى عند تمثُّل علامات انقطاع الرغبة و تبدُّد اللذّة و تلاشي القيمة.

إلاّ أنّ التماهِي يظلّ قائماً على أشدّه بين دمشق و القُدْس، بين "ثورة العمّال" المَرْجُوَّة و "الثورة العربيّة" المُنتَظَرة لينشأ في الأثناء و على حادث يُؤالف بِعُنْفٍ كاتِبٍ بين الحُلم و الهزيمة كي تظلّ سوريا في كلِّ الأحوال والِدَةً دَلالِيّة   (matrice) لِكُلِّ المعاني و مبعثاً أساسيّاً للقوّة الروحيّة التي بها تختطّ الإرادة سبيلها في طريق مُغالبة اليأس المحْض الذي يتبدّى في مواطن قليلة عارضة على شاكلةِ ومضاتٍ سرياليّة لا تخلو من عبَث وقَرَف.

كَذَا دمشق والأنثى-الرمز والجسد المُتيقِّظ الحواس المُنفتح على الآخر- الأنثى علامات شتّى لدلالةٍ واحدة، تلك الرغبة المهْوُوسة بالوجود الثوريّ وثورة الكتابة.

وكَأنّ انحباس الأفق في واقع الوجود رغم خوض تجربة السفر يستدعي توليداً لآفاقٍ مجازيّة ممكنة بِفعل الكتابة، تظهر تحديداً في التجريب بالقصيدة-الومضة والاسترسال، كما أسلفنا، ووصف الحالات العارضة وتجاوُز منطق اللغة الشعرية المعتادة أحياناً "بمنطق" آخر تفكيكيّ يكسر نَوَاة التداوُل في الفهم الشائع ويُقاربُ بذلك عَبَث الوجود:

"سبعةَ أعوامٍ

وأنا أتّكِئُ على جرحي

وأسافرُ في مِلْحِ الثورات(...)

أتدَثّرُ بالحِبْرِ العلَنِيّ(...)

يتكلَّسُ دَمْعِي في ماءِ الحُريّة"

6-الاستعاضَةُ عن اليأس/ العَبَث بمَزيد من القيمة: 

فينشأ القلق ويتعاظَمُ  بصُوَر الدمار الأخرى، بما هو أشدّ فظاعةً من سجن دمشق الحبيبة، بحَرْب لبنان وعذابات  فلسطين وعبور الأمكنة في سفر دائم لا ينقطع مُرُوراً من بلغارية إلى تونس ومنها إلى العراق وعَوُداً منه إلى تونس وعَدَن والجزائر والمغرب الأقصى...          

وإذا لِحَرْب لبنان و"مذبحة تل ّ الزعتر"، على وجه الخصوص، أعظم الأثر في ذات الشاعر، إذْ مَثّلت علامةَ إبدالٍ في تاريخ وجودِه وقوَّضت فيه طُمأنينة عديد الثوابت وغرست إرادة التحدّي ورُعْب النهايات في الآن ذاته، وفاقمت أيضاً من غربته أو اغترابه :

" نلمس جذر غُربتنا"

وحفزتْه على الاستمرار في الكتابة والقراءة باستحضار جيفارا-الرمز الثوريّ رغم الهزائم المتعاقِبة وتذكية حُلم الثورة والمقاومة ومغالبة شعور الخواء المستبدّ به.

ألاّ أنّ المعنى ، هنا ، مسكون باللا-معنى، والقيمة الثوريّة محكومة بالعبث، كالجِدِّ يظهر إنشاداً في بعض المواطن لينكسر بالسخرية العابثة، بمشاد التسكّع والجنس والخمرة والارتباك النفسيّ والشعور الحادّ بالغربة والاغتراب مَعَاً، لسقوط عديد الرفاق من حوله، وللعزلة الخائفة.

وإذا حُبّ فلسطين المُتماهي وعِشْقَ دمشق يُخلّص الذات الشاعرة من خطر الانتحار في العبث وبالعبث، ويعود لِيشحن حُلم الثورة ورغبَة  الكتابة بطاقة أمَلٍ جديدة، ك"تغريد" الشهيدة الفلسطينيّة تستحيل إلى رمز في تاريخ الذات الشاعرة وزمن الكتابة، بضربٍ من الاعتراض بين سالف التجربة الشِعريّة وحادثها، كاستراحة مُؤقّتة يُراد بها التطلّع إلى الذات عبر مرآة الآخر-الرمز والتقاط الأنفاس والاستعاضة عن العبث بمزيد من القيمة، وعن تَقَوْقُع اليأس باندفاعات أخرى في تجربة السَفر.

فنشهد بذلك بدايةَ طَوْر ثالث في تجربة الكتابة والوجود لدى هادي دانيال، كاستعادة الحلم الثوريّ بمُحصّل تاريخ الهزائم السابقة وبكتابةٍ تناصيّة تستقدم إليها تفاصيلَ من التجربة الذاتيّة وتاريخ الأمّة القديم والحادث وبمُتعدّد الأساليب عند مُطابقة الحالات والموقف والتوغّل في رمْزيّة الإبطان والمُراوحة بين وصف ظلال الواقع في ذهن الشاعر واختراق بعض جُزئيات الحياة اليوميّة، بما يُمكن اعتباره تلويناً آخر يَنْبَني على شاعريّة التفاصيل وانتهاج تعرية الحقائق الصّغرى حدّ الإنشاء الفضائحيّ المَحَض.

7-استمرار مُغالبة اليأس/العبث بالسَكَن:

و إذا السفر يستلزم ظَعْناً مُؤقّتاً "بالطفل" الذي يستيقظ في الذات الشاعرة، و بالطفل الذي يحمله أيضاً، بالأبوّة الناشئة، و بالحبّ الذي حوّل مجرى حياة الشاعر من الرعب إلى بعض الطمأنينة رغم "الشحوب" المُسْتبدّ بالكائن و الِكيان:  

"في داخلي طفل

و فوقَ يدي

طفل

لا أصدقاءَ لنا

و لا أهل

قلبان من ظمَأٍ

و مسغبةٍ

و شفاهُنا بالحبِّ تبتلّ..

شدّي حزامَ الصبْرِ

يا امرأتي،

لا ماءَ قُدّامي

و لا ظلّ..."

و كأنّ زمن "الظعن" (السَكَن) يوقظ في المسافِر الذي لا يستكين أوجاعاً أخرى، بما يطفو على سطح الذاكرة من صُور و أطياف صُور، و يذكّره بالحلم الطفوليّ الأوّل (الثورة) و بالحُلم الناشئ حدوثاً (الثورة العربيّة)، و يحفز فيه قلق الوضعيّة والانتظار، أو لعلّها "مؤسّسة" الزوجيّة و الأبوّة تصطدم بنَزَق "الطفل" الثائر المتظلِّم الحائر بين قديم السُبُل و حادثها، بين رفض المؤسَّسَة في المُطلق و الاستجابة، بصفةٍ لاإراديّة تقريباً "لمؤسّسة" أخرى، لعلّها البديل، بدلالة الأبوّة تحديداً و "بمهند" الابن وبالزوجة و السكن.

و لئن تَوَلّد ب "مُهنّد" الأمل، المستقبل، و استمرّ حُلم الثورة بواقعيّة حَياةٍ جديدة مختلفة، في تونس تحديداً، هذا البلد الذي أغرى الشاعر فسكن إليه باحثاً لَهُ فيه عن مُنْزَوى هادئ يضمن له الاستمرار في الوجود والكتابة رغم عديد الهزائم و الانكسارات السابقة فإنّ القلق ماثل في الذات لا يفارقها مُثول الفراغ:

"في المنزلِ السابعِ من روحِهِ  

الفراغُ..

تأمَّلَ الشاعرُ

قلبَهُ،

فاجأَهُ الشراعُ

قماشةً منسوجةً

بِخْيطٍ من دَمِهْ

و حِبْرِ قَلَمِهْ".

8- نَحْوَ التخوم القَصِيّة لِوَعي الموت:

فيحتدّ القلق، وتستبدّ حيرة السُيل في هذا التطور الثالث مسارّ تجربة الكتابة بإنشاد ما حَدَث من انكسارات الروح وضياع الوُجهة، تقريباً،واستفحال شعور القهر نتيجَةَ انهيار العديد من الثوابت في المجالين القوميّ والكونيّ على حد سواء.

وكما تدّاخل أزمنة القصائد والدواوين فإنَّ خيطاً رقيقاً ناظِماً بين مختلف هذه الأطوار الثلاثة يعود بمُختلف قصائد الأعمال الشعريّة إلى منظومة السالف والحادث، الأصل والفرع، الثابت والمتغيّر، إذْ كُلَّما نزعت الكتابة إلى الاستقرار على حَالٍ تَقَوَّض سياق تلك الحال لتستعيد الكتابة بذلك حيرتها، قلقها المُرْسَل، وكُلّما اشتدّت حيرة السُبُل والأساليب لاذت الكتابة بالأصل، ذلك الثابت يُؤالف حيناً بين عشق دمشق/سوريا وحُلم الثورة ويفارق بينهما أحياناً.

ولئن استمرّ مشهد الاندفاع والتراجع، الالتفاف والتمَدُّد، إعلان اليأس والتكلّم بالأمل فإنّ الاعتراف (confession) بِمُجمل كارثة الهزيمة والبوْح بتفاصيل واقع الفشل ماثلان في الدواوين الثلاثة الأخيرة من هذه الأعمال الشعريّة دُون إعلان الاستسلام، بل إنَّ الموت يتراءى المعنى المرجعيّ الآخر الممكن للوجود والمَوْجُود:

"أنا الميِّتُ اللا-مرئيّ

وُلْدتُ في تابوتٍ

تناقلتْهُ أكتافُ الشوارعِ و المطارات

في جنازةٍ لم تنتهِ بعد..."

و الرغبة أفُقٌ آخر لا يقلّ أهميّةً عن دلالة الموت، إذْ لا يكون الموت فاعلاً، هُنا، إلاّ بالرغبة:

" سلوى

أم دُميةُ حلوى

من أقصى الشهوةِ

تكرجُ هائجةً

كي تهدأَ عاريةً

بين يديّ "

كَذَا تندفع الكتابة الشعريّة، في آخر قصائد هذه الأعمال الشعريّة بأقصى الجهد نحو التخوم القصيّة لوعي الموت بُغيَةَ الخروج من دوّامة التجاذُبات العنيفة الدامية بين مُطابقة الحال و الموقف و إيحاء الرمز عند السعي إلى مُقاربة "مواطن" اللا-معنى و بين مُسبق الدلالة الثوريّة و نزق الكِتابة ذاتها الرافضة لأيّ مُسبق كَان أَوْ يكون.

فَتَنْفَتِح الكتابة، إذَنْ، على أفُق جديد قادم للكتابة "بثَوريّة" الكتابة ذاتها و تمرُّدها على كُلّ شيْءٍ تقريباً، و بمنظور وُجوديّ أنشأه تراكُم التجارب في حياة الذات الشاعرة و صقلتْه الهموم و الهزائم و الانكسارات...  

وبهذا الرفض الحادث تبْحث القصيدة لها عن عوالم أخرى فسيحة بتجربة الموت الحادثة، الموت الذي هو عُمق الحياة و سطحها و ما وراءَها في ذاتِ الحِين، الموت الذي تُقارب به الكتابة مواطِن الحكمة و تخوض مُغامرةً أخرى أوسع مدى و أعمق دلالَةً من سالف القِيم و المعاني، الموت الذي يُذكّر بالبدايات و يشحذ عشقها لتعود دمشق فتظهر بملامح أبْعَدَ سِحْراً و أشدَّ أَسْراً :

"فأصيحُ بي

مَنْ أَنتَ يا هذا؟

أَفِقْ!

يا قاسيون المُغمضُ العيون

في كَهْفِكَ المحروسِ بالهباء

هل بَرَدى 

حبْرٌ عتيقٌ راكِدٌ

بين عروقِ الشَّامْ

أم دَمُنا الصاهل في الأقلام

الموتُ مِنْ خلفي                           

ومن أمامي

لكنّي

لا أحْنِي رَأساً

يغزوه رماد الكلمات"

9-خاتمة القول: آفاق التجربة وإمكان تَعَدُّد القراءات:   

فلا تنقضِي الكتابةُ، هُنا، بِحَدِّ نهائيّ، بل تُعلن في الظاهر والخفِيّ أُفُقَها القادم، هذا الطور الثالث الذي بدأت ملامحُه تتشكّل بما حَدَث قريباً وما يحدث في الآن وما يُمكن أن يحدث.

وإذا مُجْمَلُ قصائد هذه الأعمال الشعريّة في تواتُرها و تداخُلها أشبه ما يكون بسيرةٍ ذاتيّة انْزاحت بالقصد عن سرد المعتاد إلى الشعر وحملت في ذاتها مُقوّمات السرد والحوار الغِنَائيّ والتركيب المشهديّ أحياناً، كالمكان/الأمكنة والشخصيّات والمواقف والحالات، وتجاذبَتْهَا أساليب الوصف والإيحاء بالإبْطان والحوار الدفين ومُتراكم الذكريات والمشاهد القديمة والحادثة ضمن القصائد القصيرة.

لذلك كلَّه تنتفي واحِديّة القراءة، بل تستدعي هذه الأعمال الشعريّة قِراءات عديدة تبعاً لاتساع مجال الكتابة التناصّي فيها واختلاف الذوات القارئة الضِمنيّة الماثلة في قيعان نصوصها الشعريّة، إذْ هي قصائد الثورة تُخاطب أنصارها، وهي قصائد الوطنيّة بما تَرَدَّد مِرَارَاً وتِكرَارَاً من وَلَهٍ بسوريا حَدَّ جُنون الكتابة، وهي قصائد الانتماء القوميّ وعشق لبنان وفلسطين، في المقام الأوّل, وهي قصائد الذات الشاعرة أيضاً، بهذا الكُلّ المتعدّد وبالمُختلِف الفرديّ الغارق تماماً  في تفاصيل خُصوصيّته، وبأبعادِ تجربة الوجود عنْد بدء التوغُّل في كتابة الموت والرغبة، أو الموت بالرغبة والرغبة بالموت.      

القلعة الصغرى/ تونس 18 فيفري 2006